الصحافة الإيرانية: لماذا يتصاعد التوتر بين السعودية والإمارات في اليمن؟

تكشف التطورات الأخيرة أن اليمن دخل مرحلة جديدة لا تقتصر نتائجها على دور أنصار الله أو مسار مفاوضات السلام فحسب، بل إن التنافس بين السعودية والإمارات بات عاملاً حاسماً في رسم مستقبل البلاد.

ميدل ايست نيوز: في الوقت الذي وصلت فيه الحرب في اليمن إلى مرحلة من الاستنزاف، وأصبحت المبادرة في العديد من الجبهات بيد جماعة أنصار الله، يتشكل بالتوازي تطور آخر في جنوب وشرق اليمن؛ تطور لم يعد مرتبطاً بحرب السعودية ضد أنصار الله، بقدر ما يعكس تنافساً حاداً بين أطراف التحالف السعودي–الإماراتي أنفسهم. ففي هذه الأيام، تشهد محافظات حضرموت وشبوة والسواحل الجنوبية لليمن اصطفافات جديدة تشير إلى أن التوتر بين الرياض وأبوظبي دخل مرحلة مختلفة، حيث باتت القوى المرتبطة بكل من البلدين تقف عملياً في مواجهة بعضها البعض.

وقال مرصاد جمالي، باحث في مجال الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، في مقال على موقع دبلوماسي إيراني، إن جذور هذه الخلافات تعود إلى تباين جوهري في رؤية البلدين لمستقبل اليمن. فالسعودية، التي خاضت الحرب بهدف إنشاء دولة مركزية قابلة للإدارة، لا تزال تؤكد تمسكها بيمن موحد، حتى وإن كان بنظام فيدرالي، على أن يتمتع ببنية موحدة ومنسجمة تضمن أمن حدودها الجنوبية من أي تهديدات محتملة. في المقابل، انتهجت الإمارات منذ سنوات استراتيجية مختلفة، تقوم على السيطرة على المناطق الساحلية، وإدارة الموانئ، وتعزيز التيارات الانفصالية في جنوب اليمن. هذا التناقض في الأهداف بات اليوم واضحاً على الأرض في الساحة الجنوبية.

وقد تصاعدت الخلافات بشكل خاص مع بدء المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، تحركاته التوسعية في محافظة حضرموت. وتُعد حضرموت أكبر محافظات اليمن وأحد أهم مراكزه النفطية، وكانت على الدوام موضع اهتمام خاص من قبل السعودية. ومع دخول قوات مقربة من أبوظبي إلى هذه المنطقة، رأت الرياض في ذلك تهديداً مباشراً لمشروعها الرامي إلى تثبيت نفوذها في شرق اليمن. ولم تقتصر تداعيات تقدم قوات المجلس الانتقالي على إرباك المعادلات السياسية، بل طالت أيضاً موازين القوى في المحافظات الغنية بالنفط، ما زاد من حساسية السعودية تجاه هذه التحركات.

وفي عدن والسواحل الجنوبية، يتكرر المشهد ذاته. فقد سعت الإمارات خلال السنوات الماضية إلى ترسيخ سيطرتها العملياتية على هذه المناطق عبر قوى محلية موالية لها، وهو ما قوبل بمقاومة غير مباشرة من جانب السعودية. والتنافس على إدارة الموانئ وخطوط الساحل نقل الخلاف بين البلدين من الإطار السياسي إلى المجالين الأمني والعسكري. وتُعد الإغلاقات المؤقتة للمجال الجوي اليمني، وتحركات القوات، والانكماش في هياكل إقليم الجنوب، من بين المؤشرات الدالة على تصاعد هذا التوتر.

إلى جانب ذلك، تلعب المصالح الاقتصادية دوراً بارزاً في تأجيج هذا التنافس. فجزء كبير من احتياطات اليمن النفطية يقع في المناطق المتنازع عليها، ومع الحاجة المالية المتزايدة للسلطات المحلية، باتت عائدات النفط ذات أهمية مضاعفة لكلا الطرفين. والسيطرة على هذه الموارد لا تعزز فقط القدرة على المناورة السياسية، بل تسهم أيضاً في رسم ملامح البنية المستقبلية للدولة اليمنية.

وتحمل هذه الانقسامات تداعيات خطيرة على اليمن. فالحكومة الائتلافية، التي كان يُفترض أن تشكل جبهة موحدة في مواجهة أنصار الله، تحولت اليوم إلى بؤرة خلافات داخلية، ما أضعف قدرتها على التأثير. وقد أدى هذا الواقع إلى توسيع هامش المناورة أمام أنصار الله في الشمال، وتغيير ميزان القوى لمصلحتهم، إذ إن أي صدام بين داعمي الحكومة في الجنوب يخفف عملياً الضغط عن الجبهة المركزية.

في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن اليمن دخل مرحلة جديدة لا تقتصر نتائجها على دور أنصار الله أو مسار مفاوضات السلام فحسب، بل إن التنافس بين السعودية والإمارات بات عاملاً حاسماً في رسم مستقبل البلاد. وإذا استمر هذا المسار، فإن احتمالات تشكل نوع من التقسيم العملي بين الشمال والجنوب ستتعزز؛ وهو سيناريو تتعامل معه الإمارات بمرونة، فيما تظل السعودية قلقة من تداعياته الأمنية. فاليمن اليوم لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبح ميدان مواجهة بين شريكين سابقين، يحمل كل منهما تصوراً مختلفاً لمستقبل هذا البلد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى