الصحافة الإيرانية: صنعاء تدخل مرحلة أكثر تعقيداً من الأزمة

يتمحور الخلاف بين الرياض وأبوظبي حول حدود صلاحيات المجلس الانتقالي الجنوبي، إذ تسعى السعودية إلى استخدامه ضمن إطار يمن موحد وتحت إشراف حكومة عدن، بينما تدعم الإمارات مشروعاً قد يقود إلى تقسيم اليمن وإقامة كيان سياسي مستقل في الجنوب.

ميدل ايست نيوز: أظهرت التحولات الأخيرة في جنوب وشرق اليمن مجدداً أن أزمة هذا البلد لا تقتصر فقط على المواجهة بين حكومة الإنقاذ الوطني في صنعاء والتحالف الإقليمي والدولي الذي يشن هجمات على اليمن، بل إن الانقسامات العميقة داخل معسكر القوى الموالية للسعودية والإمارات وصلت أيضاً إلى مرحلة حساسة. إذ يعكس دخول وفد سعودي ـ إماراتي مشترك إلى عدن، في وقت وسّعت فيه قوات المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة الاستراتيجيتين، تصاعد قلق الرياض من التداعيات الأمنية والسياسية وحتى الجيوسياسية لهذه التحركات، وهي تحركات من شأنها أن تغيّر بصورة جذرية موازين القوى في شرق اليمن والمعادلات الإقليمية. وتكمن الأهمية البالغة في أن محافظتي حضرموت والمهرة، بحكم اتساع رقعتهما الجغرافية، وامتلاكهما موارد نفطية، وموقعهما الحدودي مع سلطنة عمان، إضافة إلى وصولهما غير المباشر إلى المياه المفتوحة، لطالما احتلتا مكانة خاصة في استراتيجيات الفاعلين اليمنيين الداخليين والخارجيين. وفي هذا السياق، دق التوسع التدريجي لسيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على هذه المناطق من دون اندلاع مواجهات واسعة ناقوس الخطر لدى السعودية، التي ترى نفسها الراعي الرئيسي لحكومة عدن والضامن لاتفاق الرياض.

أهداف السعودية والإمارات من توسع نفوذ المجلس الانتقالي

وقال الکاتب والصحافي الإيراني رامين برتو، في مقال لموقع توسعه إيراني، إن السؤال الجوهري الذي طُرح خلال الأسابيع الأخيرة بشأن التحولات المتسارعة في اليمن هو: ماذا تريد الرياض وأبوظبي في شرق وجنوب اليمن؟ من منظور السعودية، يُعد شرق اليمن ليس فقط عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي، بل حاجزاً جغرافياً يمنع تمدد نفوذ حكومة صنعاء وحلفائها نحو الحدود الجنوبية للمملكة. وعلى مدى السنوات الماضية، سعت الرياض إلى فرض سيطرتها الأمنية على هذه المناطق عبر إنشاء قوات موالية لها، من بينها «قوات درع الوطن»، بهدف منع تشكل قوى محلية مستقلة. وبناءً على ذلك، يُنظر إلى تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم بشكل واضح من الإمارات، على أنه تهديد مباشر للنفوذ التقليدي السعودي.

في المقابل، ترى الإمارات في حضرموت والمهرة حلقة أساسية في مشروعها طويل الأمد للهيمنة على الموانئ وخطوط الطاقة والمسارات البحرية. فمنذ دخولها على خط الأزمة اليمنية، انتهجت أبوظبي استراتيجية تقوم على السيطرة على المناطق الساحلية والجزر والممرات التجارية، وعملت على تعزيز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الذراع المحلية لهذه السياسة. ووفق هذا التصور، فإن السيطرة على حضرموت، ولا سيما المناطق المحيطة بشركة «بترومسيلة» النفطية، تمنح الإمارات ليس فقط مكاسب اقتصادية، بل أيضاً أوراق ضغط سياسية.

غير أن الخلاف الرئيسي بين الرياض وأبوظبي يتمحور حول «سقف صلاحيات» المجلس الانتقالي الجنوبي. فالسعودية تسعى إلى توظيف هذا المجلس بشكل محدود وأداتي ضمن إطار يمن موحد وتحت إشراف حكومة عدن، في حين تدعم الإمارات عملياً مشروعاً قد يقود إلى تقسيم اليمن وإنشاء كيان سياسي جديد في الجنوب. كما أن الضغوط الإعلامية والسياسية التي مارستها السعودية مؤخراً ضد المجلس الانتقالي تشكل مؤشراً واضحاً على تصاعد هذا الخلاف الاستراتيجي.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يمتلك مشروع الانفصال في جنوب اليمن قابلية التنفيذ؟ تشير الوقائع الميدانية إلى أنه، ورغم تمكن المجلس الانتقالي من بسط سيطرته العسكرية على بعض المناطق بدعم خارجي، فإنه يواجه معارضة جدية من شريحة واسعة من القبائل والقوى المحلية وحتى بعض التيارات الجنوبية. ويُعد تحالف قبائل حضرموت، الذي يطالب بنوع من الحكم الذاتي المستقل عن حكومة عدن والمجلس الانتقالي، مثالاً بارزاً على هذه الانقسامات الداخلية، وهي انقسامات تجعل التطبيق العملي لمشروع الانفصال محفوفاً بتحديات كبيرة.

دور إسرائيل في المعادلة الجديدة لجنوب اليمن

خلال الأشهر الأخيرة، صدرت تقارير متعددة عن علاقات علنية وسرية بين المجلس الانتقالي الجنوبي وإسرائيل، وهي تقارير أكدت صحيفة «التايمز» البريطانية جانباً منها. وبحسب هذه التقارير، يسعى المجلس الانتقالي إلى استقطاب الدعم السياسي والأمني من إسرائيل وحتى من الولايات المتحدة، ولا سيما في حال عودة دونالد ترامب إلى السلطة، بهدف نيل الاعتراف بـ«دولة مستقلة في جنوب اليمن».

وبالنسبة لإسرائيل، لا يُعد اليمن ملفاً هامشياً، إذ دفعت العمليات التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر وتعاظم قدرات الردع لدى صنعاء، تل أبيب إلى استنتاج مفاده أن جنوب اليمن يمكن أن يتحول إلى منصة لاحتواء هذا التهديد. ومن هذا المنطلق، يندرج دعم القوى الانفصالية وإنشاء كيان متحالف في الجنوب ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية الأوسع لإضعاف أنصار الله وتأمين طرق الملاحة ومصالحها البحرية.

ويرى محللون أن تلاقي المواقف السياسية والإعلامية للمجلس الانتقالي مع السرديات الإسرائيلية ليس أمراً عرضياً. فالمجلس يسعى إلى اكتساب شرعية دولية عبر تقديم «خدمات أمنية» لإسرائيل وحلفائها الغربيين، وهو نهج يساوم فعلياً على سيادة اليمن ووحدته مقابل بقاء بنية غير قانونية. ومن هنا، يمكن فهم أي تصعيد من جانب المجلس الانتقالي ضمن إطار مشروع نيابي أوسع يتجاوز الخلافات الداخلية اليمنية.

آفاق المواجهة العسكرية والموقف الأميركي

قضية أخرى تفرض نفسها تتمثل في أن التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي أثارت ردود فعل واسعة في مناطق شمال اليمن. فقد أعلنت القبائل في عدد من المحافظات التعبئة العامة، وصدرت تحذيرات مباشرة إلى السعودية والإمارات، في مؤشر على أن أي محاولة لفرض واقع جديد في جنوب وشرق اليمن قد تفضي إلى فتح جبهة جديدة في الحرب. ومن وجهة نظر صنعاء، فإن تقدم القوى المرتبطة بالتحالف في حضرموت والمهرة لا يُعد خلافاً داخلياً، بل امتداداً للعدوان الخارجي بأدوات جديدة.

وبناءً على ذلك، فإن احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين حكومة صنعاء والمجلس الانتقالي الجنوبي يعتمد إلى حد كبير على سلوك السعودية والإمارات. فإذا عجزت الرياض عن دفع المجلس الانتقالي إلى التراجع أو على الأقل احتوائه، فإن خطر اتساع رقعة الحرب سيتزايد. وفي مثل هذا السيناريو، لن تضيع فقط المكاسب النسبية التي تحققت بفعل الهدنة والمساعي الدبلوماسية، بل ستدخل الأزمة الإنسانية في اليمن مرحلة أكثر سوءاً.

وفي هذا السياق، يتسم الموقف الأميركي من تطورات جنوب اليمن بازدواجية قائمة على إدارة الأزمة. فمن جهة، لا ترغب واشنطن في بلوغ التوترات مستوى يهدد أمن البحر الأحمر ومصالح الغرب بشكل أكبر، ومن جهة أخرى، لا تتخلى عن المشاريع المتماهية مع إسرائيل وحلفائها الإقليميين. ولهذا، يُرجّح أن تلجأ الولايات المتحدة إلى الضغوط السياسية والدبلوماسية لمنع انفجار شامل للأوضاع، من دون إيلاء اهتمام جدي لجذور الأزمة أو للمطالب الحقيقية للشعب اليمني.

في الختام، تظهر التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة أن اليمن دخل مرحلة أكثر تعقيداً من أزمته، مرحلة تتداخل فيها الخلافات داخل التحالف المعتدي، والمشاريع الانفصالية، والتدخلات الإسرائيلية، وردود الفعل الداخلية اليمنية، في رسم ملامح مستقبل البلاد. ويبقى مصير هذه التحولات رهناً، قبل كل شيء، بمدى قدرة القوى الداخلية على مقاومة المشاريع الخارجية، وبمدى استعداد الفاعلين الإقليميين لاحتواء الأزمة أو الدفع نحو تصعيدها، وهي أزمة لا تزال قادرة على التأثير في المنطقة بأسرها، وقد تقود حتى إلى اندلاع حرب جديدة، بما في ذلك على الساحة البحرية.

اقرأ المزيد

الصحافة الإيرانية: لماذا يتصاعد التوتر بين السعودية والإمارات في اليمن؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى