العلاقات الروسية – الإيرانية بعد سوريا وحرب الـ12 يوماً: شراكة براغماتية بحدودها الواقعية

أثار عجز روسيا عن تشكيل جبهة فعّالة بسرعة مع إيران للدفاع عن نظام بشار الأسد عام 2024، وغياب أي دعم مادي ملموس لطهران خلال الهجوم الإسرائيلي عليها، تساؤلات داخل إيران بشأن جدوى الشراكة مع موسكو.

ميدل ايست نيوز: أثار عجز روسيا عن تشكيل جبهة فعّالة بسرعة مع إيران للدفاع عن نظام بشار الأسد عام 2024، وغياب أي دعم مادي ملموس لطهران خلال الهجوم الإسرائيلي عليها، تساؤلات داخل إيران بشأن جدوى الشراكة مع موسكو. غير أنّ سقوط نظام الأسد والهجوم الإسرائيلي على إيران، رغم ما تركاه من انطباعات أولية، لم يضيفا في الواقع عناصر جديدة جوهرية إلى طبيعة العلاقات الروسية–الإيرانية على المديين القصير والمتوسط، بل كشفا حدود الشراكة الظرفية التي قامت بين الطرفين.

كما أظهرت هذه التطورات أن العلاقات الثنائية تجاوزت الإطار السوري، واتسمت بقدر من الصلابة يفوق التوقعات في مواجهة الصدمات الخارجية، ومن المرجح أن تستمر على هذا النحو، ما دام المشهد الدولي لا يتيح لطهران بديلاً عملياً عن شراكتها مع موسكو.

تقدير حجم الأضرار

فيما يتعلق بالأضرار التي لحقت بالعلاقات الروسية–الإيرانية نتيجة التطورات في سوريا وحرب الأيام الاثني عشر، تبدو النتائج واضحة.

أولاً، فقدت موسكو وطهران أحد الأعمدة الأساسية التي استندت إليها علاقتهما الثنائية منذ عام 2015، إذ كان البلدان ينظران إلى سوريا باعتبارها معقلاً لمصالحهما وتعاونا للحفاظ على نظام الأسد.

ثانياً، مع سقوط بشار الأسد، خسرت روسيا صورتها كدولة يمكن أن يضمن دعمها بقاء الأنظمة السياسية التي تواجه الغرب.

ثالثاً، أسهمت قدرة موسكو السريعة على نسج علاقات مع الحكومة السورية الجديدة، إلى جانب إحجامها النسبي عن الدفاع عن الأسد في أيامه الأخيرة، في تغذية نظريات مؤامرة داخل إيران تشكك في رغبة روسيا الحقيقية في مساعدة حلفائها.

في هذا السياق، سارع بعض الأوساط في طهران إلى تحميل موسكو مسؤولية سقوط نظام الأسد، واستحضار ترددها السابق في حماية إيران وحلفائها من الغارات الجوية الإسرائيلية. وفي يونيو/حزيران 2025، أضاف التصعيد الإيراني–الإسرائيلي أسباباً جديدة لانتقادات النخب الإيرانية لروسيا، التي التزمت موقف الحياد التام، مقدمة نفسها وسيطاً بدلاً من تقديم دعم ملموس، ولا سيما عسكرياً، لطهران.

وعندما انضمت الولايات المتحدة إلى الضربات الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية، اكتفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإصدار بيان شديد اللهجة وصف فيه الهجمات بأنها «عدوان غير مبرر»، من دون أن يتبعه أي دعم فعلي. ورأى محللون إعلاميون أن هذا الرد المحدود، في غياب مساعدة عسكرية واضحة، من شأنه أن يخيّب آمال إيران ويعكس تراجع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.

وقد ناقش خبراء إيرانيون هذا الموقف على نطاق واسع واعتبروه «خطأً روسياً»، ما أسهم في الإضرار بصورة موسكو في المنطقة. وذكرت صحيفة «اقتصاد نيوز» الإيرانية أن «دعم روسيا لإيران بقي في نهاية المطاف عند مستوى التصريحات الكلامية»، الأمر الذي فاقم حدة الانتقادات الموجهة لروسيا داخل إيران.

تحليل: الشراكة بين روسيا وإيران أكثر هشاشة مما تبدو عليه

حسابات استراتيجية: لماذا فضّلت موسكو الحياد

لا ترى موسكو في سلوكها خيانة لحليفها الإيراني. فالتعاون الروسي–الإيراني في سوريا لم يرتقِ يوماً إلى مستوى تحالف عسكري متكامل، إذ لم يتجاوز إطار التنسيق المحدود، وكان في جوهره تعاوناً ظرفياً. صحيح أن الطرفين تشاركا مصلحة بقاء بشار الأسد، لكن دوافعهما وأهدافهما النهائية لم تكن متطابقة. فبالنسبة لروسيا، شكّلت سوريا وقواعدها العسكرية، ولا سيما ميناء طرطوس وقاعدة حميميم الجوية، أدوات دبلوماسية ولوجستية لتوسيع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وإفريقيا، وفرض حضور موسكو على الفاعلين الدوليين والإقليميين.

أما إيران، فكانت تنظر إلى سوريا باعتبارها حليفها العربي الأبرز، وقناة إمداد رئيسية لحليفها «حزب الله» في لبنان، وركيزة أساسية في ما يسمى «محور المقاومة» الذي يربط بين طهران ودمشق والحوثيين في اليمن والفصائل الشيعية في العراق.

وبناءً عليه، برزت خلافات جوهرية بين موسكو وطهران حتى قبل رحيل الأسد، شملت التنافس على النفوذ والموارد داخل سوريا، وتباين الرؤى بشأن مستقبل البلاد، واختلاف المواقف تجاه إسرائيل. وفي ظل اختلاف الدوافع، وغياب أجندة مشتركة، وضعف التنسيق العملياتي (إذ لم يتم تشكيل قيادة موحدة للقوات على الأرض)، لم يكن مفاجئاً عجز الطرفين عن مواجهة الانهيار السريع لنظام الأسد.

ومع اختفاء الرئيس السوري، تلاشى كذلك الأساس الذي قام عليه التعاون حول سوريا. وزادت طبيعة الخسائر المختلفة من اتساع الفجوة بين الطرفين؛ إذ أُقصيت إيران إلى حد كبير من الساحة السورية، ورفضت السلطات الجديدة في دمشق إعادة العلاقات معها، بينما نظر جزء من الرأي العام السوري إلى الإيرانيين باعتبارهم أحد أسباب إطالة أمد الحرب والانقسام الطائفي.

في المقابل، اعتُبرت روسيا «الشر الأقل»، إذ حافظت على قواعدها العسكرية الرئيسية وحظيت، وإن ببرود، بقبول من قيادة النظام الجديد. وبناءً عليه، لم تعد الشراكة مع إيران تصب في مصلحة موسكو إذا أرادت الحفاظ على موقعها في سوريا الجديدة، ما يفسر انهيار التحالف الظرفي وعدم إمكانية إحيائه، لعدم وجود التزامات تتجاوز مصير الأسد.

أما في ما يخص الصراع الإيراني–الإسرائيلي، فقد كان منطق موسكو بسيطاً. فروسيا لم تنظر إلى هذا النزاع على أنه «حرب روسية» ما دام لا يهدد بقاء النظام السياسي القائم في إيران. وعلى خلاف كوريا الشمالية، لم تكن إيران حليفاً عسكرياً كاملاً لروسيا، وكان القادة الإيرانيون يدركون ذلك جيداً. بل إن طهران كانت راضية بهذا الترتيب حتى يونيو/حزيران 2025.

ففي يناير/كانون الثاني 2025، وقّع بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة لمدة 20 عاماً، لترسيخ التنسيق السياسي بين البلدين. غير أن الوثيقة الموقعة قلّصت عمداً مستوى التعاون العسكري المحتمل، ولم تُسارع إيران إلى المصادقة عليها قبل الهجوم الإسرائيلي. وبعبارة أخرى، قدّمت موسكو لطهران ما كانت ملزمة به فقط: الدعم السياسي والتنسيق الدولي، فيما ظل أي دعم إضافي رهناً بمفاوضات منفصلة لم تسعفها ظروف الحرب القصيرة.

كما خدم هذا الصراع المصالح الروسية من خلال تشتيت الاهتمام الدولي بعيداً عن أوكرانيا، وإتاحة المجال أمام الكرملين لتكثيف عملياته العسكرية هناك. ولم تكن موسكو راغبة في الدخول في صدام مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب إيران، ولا في إثارة قلق دول الخليج العربية عبر زيادة فورية في إمدادات السلاح لطهران. وفي الوقت نفسه، حاولت روسيا استثمار حيادها الرسمي لتحسين صورتها كفاعل دولي مسؤول، من خلال طرح نفسها وسيطاً محتملاً.

الصحافة الإيرانية: ما الذي دفع روسيا إلى إنهاء سنوات من التسويف في تسليم الأسلحة إلى إيران؟

تحالف براغماتي في ظل تحولات عالمية

تعتمد ثقة موسكو في أن قراراتها بشأن سوريا والصراع الإيراني–الإسرائيلي لن تلحق ضرراً بالحوار الثنائي مع طهران على قراءتها للوضع الدولي الراهن والطابع البراغماتي لهذه العلاقات. فإيران، ببساطة، لا تملك خياراً بديلاً عملياً عن روسيا، رغم تصاعد الدعوات داخلها لتنويع الشراكات والاعتماد أكثر على القدرات الذاتية. غير أن الوقت لم يحن بعد لذلك. فقد فشلت محاولات طهران التفاوض مع الصين للحصول على مصادر تسليح بديلة، ولم يُحرز أي تقدم في المفاوضات مع الغرب لتطبيع العلاقات.

وفي المقابل، تعمقت العلاقات الروسية–الإيرانية منذ عام 2022 بشكل ملحوظ، وتوسعت قاعدة التعاون بينهما، بما قلل من أهمية سوريا كمحرك رئيسي للشراكة. ورغم أن التقدم الاقتصادي لا يزال محدوداً، فإنه ملموس؛ إذ من المقرر أن يدخل اتفاق التجارة الحرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي حيز التنفيذ عام 2025، ما سيخفض الرسوم الجمركية على 90% من السلع.

ويستخدم الطرفان هذا التحالف لمواجهة العقوبات، حيث تستفيد روسيا من تصدير نفطها عبر الموانئ الإيرانية، بينما تحصل إيران على استثمارات وتقنيات للالتفاف على الحظر. ورغم أن حجم التبادل التجاري لا يتجاوز 5 مليارات دولار سنوياً، فإن الاتجاه العام واضح: موسكو وطهران باتتا «ربما الشريكين الدوليين الوحيدين» لكل منهما.

وفي ظل الدورة الحالية من التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تزداد تبعية إيران لروسيا، خصوصاً في مجالات اللوجستيات والدعم الخارجي. وإدراكاً لغياب البدائل، ستواصل موسكو تعميق التعاون الاقتصادي وتعزيز اندماج إيران في الأطر الدولية التي تخدم مصالحها، مثل «بريكس+» ومنظمة شنغهاي للتعاون.

خلاصة القول، تمثل العلاقات الروسية–الإيرانية الراهنة نموذجاً لتقارب براغماتي بين دولتين تواجهان تهديدات مشتركة وعزلة دولية. فهي شراكة لا تقوم على الثقة أو الوحدة الأيديولوجية، بل على تقاطع المصالح في ظل غياب البدائل. ويقيّم الطرفان نقاط ضعف بعضهما البعض بواقعية، ما يسمح بالحفاظ على تحالف مستقر، وإن كان محدود الإمكانات.

وبهذا المعنى، فإن تحالف موسكو–طهران ليس تحالفاً رومانسياً، لكنه قابل للاستمرار، على الأقل ما دامت الترتيبات الحالية للنظام الدولي قائمة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ISPI

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى