دراسة: تراجع تراكم رأس المال يهدد رفاهية الإيرانيين

تشير الدراسات إلى أن العقوبات الأميركية تُعدّ عاملاً مؤثراً في الاستثمار داخل إيران، إذ تراجع نمو الاستثمار في الاقتصاد الوطني بعد موجات العقوبات.

ميدل ايست نيوز: يرتبط تحسن مستوى الرفاه واتساع موائد مختلف شرائح المجتمع بنمو الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق تعد الاستثمارات العامل الأساسي والمحرك الرئيس للنمو الاقتصادي. غير أن الأرقام والبيانات تشير إلى أن نمو هذا المتغير في إيران لم يكن في وضع مرض خلال السنوات الأخيرة، كما أن مساهمة الاستثمار في النمو الاقتصادي للبلاد ظلت محدودة. فإذا كان هدف صانع السياسات هو تحقيق نمو اقتصادي ورفع مستوى رفاه الإيرانيين، فإن تهيئة بيئة الاقتصاد الوطني لجذب الاستثمار تصبح أمراً ملزماً.

يقول موقع إكوايران في تقرير، إنه بحسب أسس علم الاقتصاد، تعد ثلاثة متغيرات هي قوة العمل والاستثمار والتكنولوجيا العناصر الأهم في تحقيق النمو الاقتصادي. ويؤدي تراكم رأس المال في اقتصاد أي دولة إلى توفير البنى التحتية اللازمة والكافية لزيادة الثروة وتحقيق النمو. ومن هذا المنطلق، إذا كان الهدف هو تعزيز رفاه المجتمع والتنمية، فلا بد من التوجه نحو زيادة الاستثمارات في الاقتصاد. ومع ذلك، تظهر أحدث بيانات النمو الاقتصادي خلال صيف العام الجاري أن تكوين رأس المال بعد احتساب الاستهلاك سجل نمواً سلبياً.

نمو سلبي للاستثمار خلال فصلين متتاليين

قدر حجم تراكم رأس المال في صيف العام الجاري بنحو 386 تريليون تومان، في حين بلغ معدل نمو هذا المتغير سالب 4.8 في المئة. ويأتي ذلك بعد أن كان نمو الاستثمار في ربيع العام الجاري قد سجل عند سالب 1.9 في المئة.

وتُظهر قراءة أوسع لبيانات الاستثمار اتجاهاً نزولياً واضحاً لهذا المتغير، إذ يمكن القول إن مسار نمو الاستثمار بدأ بالتراجع منذ ربيع عام 2023، ليتحول من نمو قدره 5.3 في المئة إلى نحو سالب 5 في المئة.

وفي المقابل، يكشف مسار النمو الاقتصادي في إيران خلال السنوات الأخيرة عن مؤشرات مقلقة، حيث دخل النمو الاقتصادي مساراً نزولياً منذ خريف عام 2023. فقد تراجع معدل النمو من 5.5 في المئة في خريف ذلك العام إلى 0.3 في المئة في صيف العام الجاري، وهو مستوى لا يعني للاقتصاد الإيراني سوى حالة من الجمود.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار مسار تراكم رأس المال في السنوات الأخيرة تهديداً جدياً للاقتصاد الإيراني، إذ إن البنى التحتية والقطاعات الصناعية المختلفة تتعرض مع مرور الوقت لمزيد من التآكل، ما يجعل الحاجة إلى الاستثمار فيها أمراً بالغ الأهمية. وفي ظل غياب توفير رأس المال اللازم للاقتصاد، يصبح تراجع الإنتاج وركود القطاعات الصناعية أمراً لا مفر منه.

العقوبات تكبح نمو الاستثمار

تشير الدراسات إلى أن العقوبات الأميركية تُعدّ عاملاً مؤثراً في الاستثمار داخل إيران، إذ تراجع نمو الاستثمار في الاقتصاد الوطني بعد موجات العقوبات. وبصورة أدق، بعد بدء العقوبات النووية عام 2011، هبط معدل نمو الاستثمار من 12 في المئة في ذلك العام إلى سالب 10.2 في المئة في عام 2013. غير أن رفع العقوبات عام 2015 وفتح أبواب التجارة العالمية أمام الاقتصاد الإيراني ساهما في تراجع حالة عدم اليقين وعودة نمو الاستثمار إلى مسار تصاعدي، حيث قُدّر نمو الاستثمار في عام 2016 بأكثر من 22 في المئة.

لكن هذا المسار لم يدم طويلاً، فمع بدء ولاية دونالد ترامب الرئاسية في الولايات المتحدة وتهديده بالانسحاب من الاتفاق النووي، عادت أجواء عدم اليقين لتخيّم على الاقتصاد الإيراني. ومع انسحاب الولايات المتحدة فعلياً من الاتفاق، عادت العقوبات النووية لتلقي بظلالها على الاقتصاد، ما أدى إلى تسارع التراجع في نمو الاستثمار، ليصل إلى سالب 16.7 في المئة عام 2020. وفي العام الماضي، لم يتجاوز هذا المؤشر 0.7 في المئة.

وفي الوقت نفسه، تكشف البيانات عن مسألة أخرى تتعلق بتركيبة الاستثمار، إذ يبدو أن فترتي فرض العقوبات في عامي 2011 و2018 أدتا إلى تحوّل تراكم رأس المال من قطاع الآلات والمعدات إلى قطاع البناء. ويأتي ذلك في وقت يُعدّ فيه الاستثمار في الآلات والمعدات عنصراً أساسياً لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

كما يشار إلى أن تكوين رأس المال الثابت الإجمالي بلغ أعلى مستوياته خلال الفترة الممتدة من عام 2006 حتى عام 2024 في عام 2017، حيث قُدّر حجم تراكم رأس المال في الاقتصاد الإيراني آنذاك بنحو 1851 تريليون تومان، ويُعزى ذلك في الغالب إلى حالة الاستقرار النسبي وتحسّن الأوضاع الاقتصادية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي. غير أن حجم تراكم رأس المال في السنوات اللاحقة، وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق، لم يتمكن حتى الآن من العودة إلى مستوى عام 2017، إذ بلغ حجم الاستثمار في عام 2024 نحو 1618 تريليون تومان.

غياب الاستثمار في النمو الاقتصادي الإيراني

وفقاً للمفاهيم السائدة في علم الاقتصاد، يُعدّ الاستثمار محرك النمو الاقتصادي، حيث يلعب تراكم رأس المال دوراً محورياً في توسيع حجم الاقتصاد. غير أن المشهد في إيران يختلف، إذ يُنظر إلى النفط، أو ما يُعرف بـ«الذهب الأسود»، بوصفه اللاعب الرئيس في تحقيق النمو الاقتصادي. إلا أن النفط لا يستطيع سوى دفع الاقتصاد إلى الأمام بصورة مؤقتة، فضلاً عن أن تقلبات عائداته تخلق حالة من عدم اليقين في توفير الموارد اللازمة للاقتصاد الإيراني. وفي هذا السياق، تبقى مساهمة الاستثمار في النمو الاقتصادي محدودة، ما يستدعي أن يضطلع الاستثمار بدور أكبر وأكثر فاعلية في دفع عجلة النمو الاقتصادي في البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى