عقد من التبادل التجاري بين إيران والاتحاد الأوروبي… ما الذي فعلته العقوبات؟

في مرحلة ما بعد العقوبات شهدت تركيبة التجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي تغيراً واضحاً، إذ أُخرجت صادرات النفط عملياً من سلة الصادرات الإيرانية إلى أوروبا، لتحل محلها سلع أقل قيمة مضافة.

ميدل ايست نيوز: يعد الاتحاد الأوروبي بوصفه أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم لاعباً محورياً في صادرات النفط الإيرانية واستيراد السلع الرأسمالية والتكنولوجيا والآلات، إضافة إلى التفاعلات المالية والمصرفية مع إيران. غير أن هذه العلاقات تأثرت بشدة بالتطورات السياسية، ولا سيما بنظام العقوبات الدولية.

التجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي قبل انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي

وقالت وکالة إيسنا في مقال، إنه مع دخول الاتفاق النووي حيّز التنفيذ في يناير 2016، جرى رفع أو تعليق جزء كبير من العقوبات النووية المفروضة على إيران. وقد أتاح ذلك مناخاً إيجابياً نسبياً لعودة الشركات والبنوك الأوروبية إلى السوق الإيرانية. خلال الفترة من عام 2016 حتى منتصف عام 2018، سُجّل نمو ملحوظ في حجم التبادل التجاري بين إيران والاتحاد الأوروبي، سواء على صعيد الصادرات الإيرانية إلى أوروبا أو الواردات من هذا التكتل الاقتصادي.

وخلال هذه الفترة، تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى أحد أهم وجهات الصادرات الإيرانية، ولا سيما في مجال النفط الخام ومكثفات الغاز. وكانت دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا واليونان من أبرز مشتري النفط الإيراني، كما أُبرمت عقود نفطية طويلة الأجل بين شركة النفط الوطنية الإيرانية ومصافٍ أوروبية.

وكانت بنية التجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي قبل عقوبات عام 2018 بنية تقليدية نسبياً، قائمة على المزايا النسبية للطرفين. فقد شملت الصادرات الإيرانية بشكل أساسي النفط الخام ومشتقاته، والمنتجات البتروكيماوية، والمواد الخام المعدنية والمعادن، إضافة إلى بعض المنتجات الزراعية والغذائية الخاصة. في المقابل، تركزت واردات إيران من الاتحاد الأوروبي على السلع الرأسمالية والوسيطة، من بينها الآلات والمعدات الصناعية، والسيارات وقطع الغيار، والمعدات الطبية والدوائية، والتقنيات الحديثة، ومعدات الطاقة والبنى التحتية. وكان هذا النمط التجاري يعكس دور أوروبا كمكمّل لعملية التحديث الصناعي ورفع المستوى التكنولوجي في الاقتصاد الإيراني.

انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي ونقطة التحول في تجارة إيران وأوروبا

في مايو 2018، شكّل الانسحاب الرسمي للولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعلان إعادة فرض العقوبات الثانوية صدمة قوية للعلاقات التجارية بين إيران والاتحاد الأوروبي. وقد صُممت هذه العقوبات بحيث تعرّض أي شركة أو بنك يتعاون مع إيران لخطر الحرمان من السوق والنظام المالي الأميركي، الأمر الذي دفع حتى الشركات غير الأميركية إلى الانسحاب من السوق الإيرانية. وكانت النتيجة المباشرة لهذا القرار تراجعاً سريعاً في حجم التجارة الثنائية، إذ انخفضت صادرات النفط الإيرانية إلى أوروبا خلال فترة قصيرة إلى ما يقارب الصفر، كما أُلغيت أو عُلّقت العديد من العقود التجارية.

وبعد عام 2018، أوقفت شركات أوروبية كبرى ومعروفة، كانت قد عادت إلى إيران في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، أنشطتها تباعاً. وغادرت السوق الإيرانية شركات تعمل في قطاعات الطاقة، وصناعة السيارات، والطيران، والتأمين، والقطاع المالي. ولم يؤدِّ هذا الخروج الواسع إلى تراجع تجارة السلع فحسب، بل قيّد أيضاً بشكل كبير نقل التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية المباشرة من أوروبا إلى إيران.

تغير تركيبة السلع المتبادلة

في مرحلة ما بعد العقوبات، طرأ تغير ملموس على تركيبة التجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي. فقد جرى عملياً استبعاد صادرات النفط من سلة الصادرات الإيرانية إلى أوروبا، وحلّت محلها سلع أقل من حيث القيمة المضافة. واقتصرت الصادرات الإيرانية المحدودة خلال هذه الفترة على بعض المنتجات الزراعية الخاصة والمكسرات والفواكه المجففة، وبعض المواد الكيميائية والبتروكيماوية غير الخاضعة للعقوبات، إضافة إلى سلع تقليدية بكميات محدودة. في المقابل، انحصرت واردات إيران من الاتحاد الأوروبي في سلع خاصة، يغلب عليها الطابع الإنساني، مثل الأدوية والمعدات الطبية، وبعض الآلات المحددة التي تُستورد بتراخيص خاصة، والسلع الأساسية المشمولة بإعفاءات من العقوبات.

وفي رد فعل على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، حاول الاتحاد الأوروبي الحفاظ على حد أدنى من التجارة مع إيران عبر أدوات مثل الآلية المالية «إنستكس». غير أن هذه المبادرات لم تتمكن عملياً من تلبية احتياجات إيران التجارية، واقتصر دور «إنستكس» فعلياً على مبادلات إنسانية محدودة.

من جهة أخرى، أدى تراجع العلاقات التجارية مع أوروبا إلى تقييد وصول إيران إلى التقنيات الحديثة والآلات المتطورة ورؤوس الأموال الأجنبية، كما رفع كلفة التجارة الخارجية. كذلك أسهم في تسريع التحول الجغرافي للتجارة الإيرانية نحو الدول الآسيوية ودول الجوار، وإن كانت هذه البدائل، من حيث التكنولوجيا والقيمة المضافة، لا تضاهي المستوى الأوروبي.

وفي مرحلة ما بعد العقوبات، شهدت تركيبة التجارة بين إيران والاتحاد الأوروبي تغيراً واضحاً، إذ أُخرجت صادرات النفط عملياً من سلة الصادرات الإيرانية إلى أوروبا، لتحل محلها سلع أقل قيمة مضافة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى