أزمة ممتدة لا انتكاسة عابرة: ماذا يحدث لصادرات السجاد الإيراني؟

لا يعد تراجع صادرات السجاد اليدوي ظاهرة عابرة أو نتيجة صدمة قصيرة الأمد، إذ تُظهر مراجعة بيانات السنوات الماضية أن هذه الصناعة تسير منذ أكثر من عقد في مسار هبوطي تدريجي ومتواصل.

ميدل ايست نيوز: أعادت أحدث الإحصاءات الصادرة عن الجمارك الإيرانية بشأن صادرات السجاد اليدوي دق ناقوس الخطر مجددًا لأحد أقدم وأعرق الصناعات في إيران، وهي صناعة لم تكن يومًا مجرد سلعة تصديرية، بل شكّلت في فترات سابقة أحد الأعمدة الرئيسية للصادرات غير النفطية ورمزًا للهوية الثقافية والفنية الإيرانية في الأسواق العالمية. تُظهر بيانات الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 أن المسار التراجعي لصادرات السجاد اليدوي لم يتوقف، بل بدأت مؤشرات مقلقة على تعمّق هذه الأزمة بالظهور.

وبحسب الإحصاءات الرسمية للجمارك، بلغ إجمالي قيمة صادرات السجاد اليدوي الإيراني خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري نحو 23.5 مليون دولار فقط، وهو رقم يبرز بوضوح عمق التراجع مقارنة بصادرات سنوية بلغت 557.4 مليون دولار في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة. توضح هذه المقارنة أن السجاد اليدوي الإيراني، الذي كان يُعد في السابق أحد المحركات الأساسية للصادرات غير النفطية، تحوّل اليوم إلى سلعة هامشية ذات مساهمة محدودة في الاقتصاد التصديري للبلاد.

ولا يعد تراجع صادرات السجاد اليدوي ظاهرة عابرة أو نتيجة صدمة قصيرة الأمد، إذ تُظهر مراجعة بيانات السنوات الماضية أن هذه الصناعة تسير منذ أكثر من عقد في مسار هبوطي تدريجي ومتواصل. ورغم تسجيل صادرات بقيمة 41.7 مليون دولار في عام 2024، محققة نموًا بنسبة ثلاثة في المئة مقارنة بالعام السابق، ما أثار آمالًا محدودة بإمكانية توقف هذا التراجع، فإن أرقام الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 تشير إلى أن هذا التحسن لم يترسخ، بل عاد المسار النزولي من جديد.

السجاد الفاخر لم يسلم من التراجع

وتُظهر قراءة أكثر تفصيلًا للبيانات أن الانخفاض في الصادرات لم يقتصر على السجاد العادي، بل شمل أيضًا السجاد الفاخر والمصنوع بالكامل من الحرير، وهي المنتجات التي لطالما عُرفت بأنها الأغلى والأكثر فخامة ضمن صادرات السجاد الإيراني. ووفقًا للإحصاءات الرسمية، جرى خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 تصدير ما مجموعه 28 طنًا من السجاد اليدوي الحريري الخالص إلى 25 دولة، بقيمة إجمالية لم تتجاوز 3.16 ملايين دولار.

وتصدرت ألمانيا قائمة وجهات التصدير باستيراد 18 طنًا من هذا النوع من السجاد. غير أن اللافت أن القيمة الدولارية للصادرات إلى ألمانيا لم تتجاوز 600 ألف دولار، رغم استحواذها على نحو 65 في المئة من إجمالي صادرات السجاد الحريري الإيراني، وهو ما يعكس بوضوح تراجعًا حادًا في متوسط الأسعار داخل الأسواق الأوروبية التقليدية.

في المقابل، سجّلت الإمارات العربية المتحدة، رغم استيرادها كميات أقل بنحو أربعة أطنان، قيمة بلغت مليونًا و190 ألف دولار للسجاد المستورد. ويعكس هذا الفارق تركيز السوق الإماراتية على السجاد الفاخر كبير الحجم وذو القيمة المضافة الأعلى.

وفي تعليقها على هذه الأرقام، اعتبرت رئيسة المركز الوطني للسجاد الإيراني أن تراجع المكانة والسمعة العالمية للسجاد اليدوي الإيراني يمثل التحدي الأبرز الذي تواجهه هذه الصناعة اليوم. وأكدت زهرا كماني، على هامش الدورة السادسة عشرة لمعرض السجاد اليدوي، أن إيران التي كانت تتصدر السوق العالمية بصادرات تجاوزت ملياري دولار، تراجعت اليوم إلى أقل من 50 مليون دولار، وفقدت موقعها الريادي.

ومن التحديات الأقل تسليطًا للضوء عليها، القيود الجمركية المفروضة على السجاد القديم وذي القيمة التاريخية، وهو من بين أثمن أصناف الصادرات الإيرانية. إذ إن بعض اللوائح الحالية تجعل من عودة هذه السجادات إلى البلاد لأغراض الترميم والإحياء أمرًا شبه مستحيل، في حين يُعد هذا المسار جزءًا لا يتجزأ من دورة تجارة السجاد التاريخي في الأسواق العالمية.

كما خلّف تراجع الصادرات تداعيات اجتماعية بارزة، أبرزها هجرة الكفاءات المتخصصة. فغياب الدعم الفاعل، وركود الورش، وتراجع الجدوى الاقتصادية، دفعت العديد من المصممين والحرفيين المهرة إلى الهجرة نحو تركيا ودول أخرى في المنطقة، وهو مسار لا يهدد الإنتاج فحسب، بل يعرض أيضًا انتقال المعرفة والثقافة المتراكمة لآلاف السنين في فن السجاد الإيراني للخطر.

ويتمثل مؤشر آخر على أفول هذه الصناعة في تغيّر موقع إيران ضمن سلسلة توريد المواد الأولية. فبعد أن كانت البلاد من أبرز مصدّري الصوف والحرير، تحولت اليوم إلى مستورد لهذين الموردين. وأدى غياب الصناعات التحويلية إلى إهدار نحو 60 مليون كيلوغرام من الصوف سنويًا داخل البلاد، في وقت تُضطر فيه إيران إلى استيراد الصوف المعالج. ويقول ناشطون في هذا القطاع إن تراجع الربحية وانخفاض الصادرات صرفا المستثمرين عن دخول هذا المجال.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى