الصحافة الإيرانية: أوروبا والوكالة الذرية وإعادة إنتاج “انعدام الثقة” بإيران

عندما تطرح أوروبا مطالب واسعة النطاق بتفتيش المنشآت النووية في أجواء مسيّسة ومن دون ضمانات كافية، فإن رد الفعل الإيراني الطبيعي لا يُعد سلوكاً عدائياً، بل استجابة عقلانية لحالة عدم اليقين المفروضة.

ميدل ايست نيوز: يشكّل السلوك الأخير لدول الترويكا الأوروبية في سعيها إلى إصدار قرار جديد ضد إيران في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أحد أحدث الأمثلة على النمط المألوف المتمثل في تسييس المؤسسات الفنية؛ وهو نمط انتهجته أوروبا منذ سنوات، ولم يؤدِّ في كل مرة إلى تعزيز الشفافية أو الأمن، بقدر ما أسهم في تعميق انعدام الثقة وتقليص فاعلية الآليات الدولية.

وقال الأستاذ والخبير في الشؤون الأوروبية، عابد أكبري، في موقع دبلوماسي إيراني، إن أعضاء الدول فاعلين عقلانيين، وهدفهم الأساسي ليس الهيمنة بل تأمين الأمن. غير أن هذه المساعی إلى الحالة الأمن، إذا جرى من دون فهم دقيق لحساسيات الطرف المقابل وحساباته الأمنية، يمكن أن يفضي إلى ما يُعرف بـ«دوامة انعدام الثقة»؛ وهي حالة يُنظر فيها إلى كل خطوة من جانب طرف ما بوصفها تهديداً، فتستدعي ردوداً دفاعية أشد من الطرف الآخر. التحركات الأوروبية الأخيرة تمثل مثالاً واضحاً على هذا الخطأ. فمشروع القرار الذي طُرح عشية اجتماع مجلس المحافظين لا يعكس توافقاً جديداً في الدبلوماسية النووية، بل يعيد إنتاج استراتيجية الضغط ذاتها التي جرى اختبارها لسنوات ولم تفضِ يوماً إلى نتائج مستدامة. وفي هذا القرار، تطالب أوروبا الوكالة بالحصول على وصول «فوري وغير مشروط» إلى بعض المواقع، من دون تقديم أساس قانوني واضح، في حين ترى إيران أن هذا الطلب ليس تقنياً بقدر ما هو أداة لاستكمال الضغوط السياسية. وتسعى أوروبا من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق هدفين: الأول، الحفاظ على دور شكلي لها في الملف النووي في مرحلة تراجعت فيها فعلياً قدرتها على التأثير؛ والثاني، بناء رواية تُظهر إيران باعتبارها طرفاً غير موثوق، بما يجعل استمرار الضغط أمراً طبيعياً وضرورياً. غير أن من المهم التنبه إلى أن الدول غالباً ما تلجأ إلى ردود قاسية عندما تشعر بأن الطرف الآخر يستغل الآليات الدولية.

خلال العقدين الماضيين، اختبرت إيران عن كثب كيف أن بعض البيانات الفنية والمعلومات الحساسة التي قُدمت للوكالة انتهت في نهاية المطاف لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، واستُخدمت في عمليات تخريبية أو لأغراض الضغط السياسي. لذلك، عندما تطرح أوروبا مطالب واسعة النطاق بتفتيش المنشآت النووية في أجواء مسيّسة ومن دون ضمانات كافية، فإن رد الفعل الإيراني الطبيعي، المتمثل في تقليص البيانات غير الضرورية وتشديد الرقابة على أطر التعاون، لا يُعد سلوكاً عدائياً، بل استجابة عقلانية لحالة عدم اليقين المفروضة. هذه الحلقة هي ذاتها «دوامة انعدام الثقة»: فكل ضغط جديد يولّد دافعاً جديداً لتقليص التعاون، وكل تقليص للتعاون يوفّر ذريعة إضافية لمزيد من الضغوط.

بهذا النهج، لا تزيد أوروبا منسوب انعدام الثقة فحسب، بل تتجاهل أيضاً الكلفة الأمنية لسلوكها. ففي الظرف الراهن، باتت البيئة الأمنية المحيطة بإيران أكثر تعقيداً من أي وقت مضى: فمن جهة، وصلت منافسة القوى الكبرى إلى ذروتها؛ ومن جهة ثانية، غيّرت حرب غزة وتطورات غرب آسيا موازين القوى الإقليمية؛ ومن جهة ثالثة، ما زالت العقوبات الاقتصادية والقيود المالية تؤثر في هامش الحركة الإيرانية. وفي مثل هذا السياق، فإن فرض الضغوط من دون مراعاة «توازن المصالح» يدفع إيران إلى تعزيز قدراتها الردعية. فالواقعية الدفاعية تؤكد دائماً أن الدول عندما تشعر بانعدام الأمن لا تختار التراجع، بل تسعى إلى رفع كلفة المواجهة على الطرف الآخر.

إضافة إلى ذلك، تعاني أوروبا من وهم القوة. فقد أظهرت تجربة الاتفاق النووي بوضوح أن أوروبا غير قادرة على لعب دور مستقل وبنّاء من دون مرافقة الولايات المتحدة. فانسحاب الأخيرة من الاتفاق وعجز الأوروبيين عن تنفيذ حتى الحد الأدنى من التزاماتهم، أضعفا مصداقيتهم في نظر إيران والعديد من الأطراف الأخرى. واليوم، في ظل أزمة طاقة واعتماد أمني على واشنطن، تحاول أوروبا من خلال تقديم قرار ضد إيران إعادة إنتاج «صورة» القوة، رغم افتقارها إلى الأدوات الحقيقية لفرض نتائج ملموسة. يعد هذا السلوك نموذجاً لإجراءات رمزية تلجأ إليها الدول لتعويض ضعفها البنيوي، لكنها غالباً ما تؤدي إلى تصعيد التوتر أكثر مما تحقق فوائد.

وهنا، يتعين على إيران اعتماد سياسة قائمة على «اليقظة الاستراتيجية»، أي الحفاظ على المستوى الضروري من التعاون مع الوكالة بما يقلل فرص بناء إجماع دولي ضدها، مع الحيلولة في الوقت نفسه دون تحويل الوكالة إلى أداة ضغط معلوماتي. ويمكن لإيران، مع تأكيد التزامها بالتعاون الفني، أن توضح أن المشكلة الأساسية ليست مع الوكالة نفسها، بل مع «تسييس الوكالة» من قبل أوروبا وبعض الأطراف الأخرى. هذا التمييز بالغ الأهمية، لأنه يمنع وقوع إيران في الفخ الأوروبي المتمثل في تحويل الخلاف إلى صراع مع مؤسسة فنية، في حين أن الفاعل الحقيقي يقف خلف الكواليس.

أما الأوروبيون، فإذا كانوا فعلاً يسعون إلى الأمن الإقليمي والدولي، فعليهم إدراك أن إضعاف الوكالة لن يحقق لهم مكاسب مستدامة. فكلما تراجعت ثقة إيران في حيادية الوكالة، تقلصت مستويات التعاون، وازدادت صعوبة التوصل إلى أي تفاهمات مستقبلية. في المحصلة، ينبغي على أوروبا أن تقرّ بأن مسار الضغط وصناعة القرارات لا يدفع إيران إلى تقديم تنازلات، ولا يعزز أمنها، بل يفضي فقط إلى تآكل تدريجي في مصداقية المؤسسة التي تُعد ركناً أساسياً في منظومة الرقابة الدولية.

الطريق الواقعي لا يكمن في الضغوط غير المستندة إلى أسس، بل في بناء توازن للمصالح، واحترام الحساسيات الأمنية للطرف المقابل، وتجنب الخطوات الاستفزازية التي تزيد منسوب عدم اليقين. فإذا كانت أوروبا تبحث عن الأمن، فعليها أن تتجه نحو إعادة بناء الثقة بدلاً من إعادة إنتاج انعدامها؛ هذا المسار لا يمر عبر القرارات السياسية، بل عبر فهم حقائق القوة واحترام منطق الأمن لدى مختلف الأطراف.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + 16 =

زر الذهاب إلى الأعلى