كيف تقتل العقوبات رفاهية الإيرانيين؟
باختصار شديد، تلعب العقوبات دوراً في انخفاض الدخل وارتفاع معدلات الفقر من خلال الحد من النمو الاقتصادي وتراجع الاستثمار وانكماش نشاط الشركات، مما يقلل قدرة سوق العمل على توفير وظائف مستدامة وعالية الإنتاجية.

ميدل ايست نيوز: لم تعد العقوبات الاقتصادية في إيران مجرد صدمة مؤقتة أو عامل خارجي؛ بل تحولت إلى جزء من آلية الاقتصاد اليومي، وتأثيرها يظهر ليس فقط في المؤشرات الكلية، بل في مستوى المعيشة والقوة الشرائية وجودة حياة الأسر الإيرانية.
تشير الإحصاءات الرسمية لمركز الإحصاء الإيراني حتى ديسمبر 2025 إلى أن التضخم المرتفع وانخفاض الدخل الحقيقي والتغيرات القسرية في أنماط الاستهلاك، وضعت رفاهية الإيرانيين على مسار تآكلي؛ مسار تلعب فيه العقوبات دوراً محورياً.
ثقل العقوبات علی کاهل الإيرانيين
إذا كان يمكن تلخيص أثر العقوبات على رفاهية الأسر الإيرانية بمؤشر واحد، فهو بلا شك التضخم. تشير بيانات مركز الإحصاء الإيراني إلى أن معدل التضخم السنوي حتى أكتوبر 2025 بلغ نحو 38.9%، فيما تجاوز التضخم الشهري على أساس سنوي 48%.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة؛ بل تعني عملياً أن الأسرة الإيرانية تحتاج لدفع ما يقارب أكثر من النصف لشراء نفس سلة السلع والخدمات التي اشترتها العام الماضي.
في اقتصاد لم تواكب فيه زيادة الأجور والنفقات الاسمية هذا القفز في الأسعار، لا يمكن أن تكون النتيجة سوى تراجع القوة الشرائية وانخفاض مستوى الرفاه.
وتلعب العقوبات دوراً هيكلياً في تكوين هذا التضخم المزمن. يقول خبراء في الشؤون الاقتصادية إن قيود الوصول إلى الموارد الأجنبية، وارتفاع تكاليف المعاملات الخارجية، وصعوبة استيراد السلع الوسيطة ورأس المال، أدت إلى زيادة تكاليف الإنتاج، التي تنتقل سريعاً إلى أسعار المستهلك.
حتى عندما يحل الإنتاج المحلي محل الاستيراد، فإن غياب وفورات الحجم، والقيود التكنولوجية، وارتفاع تكاليف المدخلات يحافظ على ارتفاع الأسعار ويستمر الضغط التضخمي. وهكذا، يصبح التضخم ليس مجرد اضطراب مؤقت، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد فقد كفاءته واستقراره تحت وطأة العقوبات.
ماذا تفرز العقوبات على مائدة الإيرانيين؟
أحد أهم القنوات التي تنقل تأثير العقوبات إلى رفاه الأسرة الإيرانية هو سوق الصرف. فانخفاض الإيرادات الأجنبية نتيجة القيود على صادرات النفط وصعوبة إعادة العملات والعائدات إلى البلاد قلل من قدرة صانع السياسة على إدارة تقلبات سعر الصرف.
وهنا، يصبح سعر العملة شديد الحساسية تجاه التوترات السياسية والصدمات الخارجية، وأي توتر أو خبر سلبي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في سعر الصرف. هذا الارتفاع ينعكس بسرعة على أسعار السلع المستوردة، ومن ثم على أسعار السلع المحلية.
تعتمد إيران بدرجة عالية على استيراد مدخلات الإنتاج، ما يجعل اقتصادها عرضة لتقلبات العملة. والأسوأ أن العقوبات زادت من كلفة هذه الاعتمادية وجعلت طرق التوريد أطول وأقل شفافية. ونتيجة لذلك، فإن حتى السلع “المحلية” في ظاهرها لا تسلم من صدمة تقلب الصرف. هذه الآلية تفسر استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة رغم فترات الاستقرار النسبي في بعض الأسواق.
ضربة نحو الرفاهية
الرفاهية الاقتصادية ليست مجرد تابع للأسعار؛ بل الدخل لا يقل أهمية عنها، حيث تشير بيانات نفقات ودخل الأسر الإيرانية إلى أن الدخل الاسمي ارتفع في السنوات الأخيرة، لكنه لم يواكب معدل التضخم في كثير من الفئات، ما يعني انخفاض الدخل الحقيقي ومعدلات الفقر، حتى لو بدت الأرقام أعلى على الورق.
باختصار، تلعب العقوبات دوراً في هذا الانخفاض من خلال الحد من النمو الاقتصادي وتراجع الاستثمار وانكماش نشاط الشركات، مما يقلل قدرة سوق العمل على توفير وظائف مستدامة وعالية الإنتاجية. جزء من فرص العمل التي تم إنشاؤها كان في القطاع غير الرسمي، منخفض الدخل البعيد كل البعد عن الأمان الوظيفي، وهو ما يجعل الإيرانيين غير قادرين على مواجهة صدمات الأسعار. يقول مراقبون إن هذه الوضعية خطيرة خصوصاً للطبقة المتوسطة، التي لا تمتلك ثروة حماية مثل الطبقات العليا، ولا تحظى بالدعم الكامل كالطبقات الدنيا.
نمط الاستهلاك
أحد المؤشرات المهمة رغم أنها أقل وضوحاً لانخفاض الرفاهية في إيران هو التغيير في نمط الاستهلاك. إذ تُظهر البيانات الرسمية زيادة حصة النفقات على المواد الغذائية والإسكان والطاقة، مع تراجع الإنفاق على السلع المعمرة والتعليم والثقافة والترفيه وبعض الخدمات الصحية. هذا التغيير ليس اختياراً طوعياً، بل استجابة قسرية لضغوط الأسعار وانخفاض الدخل الحقيقي.
عندما تضحي الأسرة بالتعليم أو الصحة أو الاستثمار في جودة حياتها، فإن آثار ذلك لا تظهر فورياً فقط، بل لها تداعيات طويلة الأمد، مثل انخفاض رأس المال البشري وتفاقم عدم المساواة. إذن هذا يعني أن العقوبات تقلل الرفاهية الحالية والمستقبلية على حد سواء.
سياسات حكومية خجولة
حاولت الحكومة الإيرانية التي يقودها طبيب القلب مسعود بزشكيان في السنوات الأخيرة مواجهة آثار العقوبات والتضخم عبر المدفوعات النقدية والدعم وضوابط الأسعار، لكن محدودية الموارد والآثار الجانبية لهذه السياسات جعلت تأثيرها غير مستدام. إذ يمكن للدعم النقدي من دون نمو في الإنتاج والدخل الأجنبي أن يزيد الطلب ويعزز التضخم، مما يقلل من فعاليته.
المعطيات تختلف كثيراً عن الإحصاءات، فالعقوبات وخلال تفاعلها مع نقاط الضعف الهيكلية للاقتصاد الإيراني تسببت في خلق تكلفة عالية جداً أمام الرفاهية. فضعف النظام المالي والأزمات المزمنة وانخفاض الإنتاجية وسياسات الصرف غير المستقرة زادت من حدة تأثير العقوبات والحصار الأجنبي. حتى لو لم تنخفض العقوبات، يمكن للإصلاحات المؤسسية وتحسين السياسات أن تخفف بعض الضغوط، لكن من دون الانفتاح على الدول الأخرى وإصلاح العلاقات الخارجية ستظل هذه الإصلاحات محدودة التأثير.



