إيران… تحذيرات من تزايد أعداد الفقراء مع انخفاض الدخل

تظهر تصريحات أحد أعضاء البرلمان الإيراني قلقاً عميقاً لدى صانعي السياسات من «اتساع نطاق الفقر في إيران»، وهو أمر لا يمكن اعتباره مجرد تحذير قبيل الانتخابات أو سياسي.

ميدل ايست نيوز: تظهر تصريحات أحد أعضاء البرلمان الإيراني قلقاً عميقاً لدى صانعي السياسات من «اتساع نطاق الفقر في إيران»، وهو أمر لا يمكن اعتباره مجرد تحذير قبيل الانتخابات أو سياسي. فقد أدت زيادة معدلات التضخم وتراجع القيمة الحقيقية للمعاشات والضغوط المتزايدة على الأسر الإيرانية المتوسطة ومنخفضة الدخل، إلى تحويل مسألة الفقر إلى معضلة بنيوية وشاملة.

وحذّر البرلماني الإيراني عزيزي فارساني، من تداعيات التضخم وارتفاع الأسعار غير المنضبط، قائلاً إنه في حال استمرار الوضع الراهن واستمرار الإشكالات في آليات تصنيف الشرائح الدخلية، فإن الشريحة الثامنة ستنضم إلى دائرة الفقر بحلول نهاية العام، ليتجاوز عدد الفقراء في البلاد 55 مليون نسمة.

يقول موقع رويداد 24، إن هذه التصريحات تعكس قلقاً حقيقياً لدى صانعي القرار من «الزيادة الواسعة في معدلات الفقر في إيران»، وهو قلق لا يمكن التقليل من شأنه أو حصره في إطار سياسي ضيق. فارتفاع التضخم، وتراجع القوة الشرائية، وتزايد الضغوط المعيشية على الأسر، أسهمت جميعها في ترسيخ الفقر بوصفه أزمة هيكلية ممتدة.

كيف يعرّف الفقر؟

يُقاس «الفقر» في التقارير المختلفة بطرق ومعايير متعددة. فعادة ما يُعرَّف البنك الدولي خط الفقر العالمي على أساس دخل يقل عن 6.85 دولارات يومياً في الدول متوسطة الدخل. أما خط الفقر الوطني فيُحدَّد بناءً على الحد الأدنى من تكاليف المعيشة داخل كل دولة، وهو ما يجعله مختلفاً عن المعيار العالمي.

وقد أدت هذه الاختلافات في التعريف إلى تباين كبير بين الإحصاءات الرسمية والإعلامية والدولية بشأن عدد الفقراء في إيران.

الإحصاءات الرسمية والدولية حول الفقر في إيران

وفقاً لتقارير البنك الدولي، تراجعت نسبة الفقر في إيران استناداً إلى خط الفقر العالمي المتوسط خلال السنوات الأخيرة، إذ انخفضت نسبة الفقر وفق معيار 6.85 دولارات يومياً من نحو 29.3 في المئة عام 2020 إلى نحو 21.9 في المئة عام 2022. غير أن هذا التراجع يوصف بأنه هش، إذ لا يزال أكثر من خُمس سكان البلاد تحت هذا الخط.

كما تشير البيانات العالمية إلى أن نسبة السكان الفقراء من إجمالي عدد السكان تتراوح بين 20 و21 في المئة، ما يدل على أن شريحة واسعة من المجتمع تعيش عند مستوى رفاه متدنٍ نسبياً.

ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو ظاهرياً مطمئنة، فإنها لا تأخذ في الاعتبار مؤشرات أخرى، مثل الهشاشة الاقتصادية وقرب الشرائح المختلفة من خط الفقر. فالكثير من الأسر تقع بالكاد فوق هذا الخط، ما يجعلها عرضة للانزلاق السريع إلى الفقر مع أي صدمة اقتصادية بسيطة.

وتشير بعض التقارير إلى أن نسبة من سكان إيران تقع رسمياً تحت خط الفقر المدقع، أي أن دخلهم لا يكفي حتى لتغطية الاحتياجات الأساسية للحياة.

وتذهب إحصاءات وتحليلات إعلامية مستقلة، مع الأخذ في الاعتبار التضخم وتراجع القوة الشرائية لأصحاب الرواتب، إلى أن أكثر من 80 في المئة من الأسر الإيرانية باتت دون معايير خط الفقر العالمي. بل إن بعض التقديرات غير الرسمية وآراء عدد من الاقتصاديين تشير إلى أن ما لا يقل عن نصف السكان قد يكونون فعلياً تحت خط الفقر، لا سيما عند اعتماد معايير الفقر المدقع أو احتساب تكاليف المعيشة الحقيقية.

ويعكس هذا التفاوت الواسع في الأرقام صعوبات منهجية وبيانية في قياس الفقر في إيران، غير أن حقيقة واحدة تظل واضحة، وهي أن العيش وفق الحد الأدنى من المعايير المعيشية أصبح أمراً بالغ الصعوبة لشريحة كبيرة من السكان.

المؤشرات الاقتصادية الممهدة لانتشار الفقر

لا يُعد الفقر ظاهرة اقتصادية بحتة، بل هو نتاج مجموعة من العوامل البنيوية. فقد ظلت معدلات التضخم مرتفعة خلال السنوات الماضية، حيث سبقت الزيادات في أسعار السلع الأساسية والخدمات الحيوية زيادات الأجور بوتيرة واضحة. ووفقاً لبعض التقارير، فإن حتى رواتب المديرين وأصحاب الدخول الأعلى لم تعد كافية لتجاوز معايير خط الفقر العالمي.

وتشير تقارير أخرى إلى أن القيمة الحقيقية لأجور العمال في إيران تراجعت بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، ما يعني انخفاض القوة الشرائية للأسر العاملة واتساع دائرة الفقر داخل هذه الشرائح.

كما تُظهر تقارير دولية أنه رغم احتمال تراجع الفقر المدقع، فإن مستويات عدم المساواة والهشاشة الاقتصادية قد ارتفعت، وأصبحت فئات واسعة من السكان القريبين من خط الفقر مهددة بالانزلاق السريع إلى ما دونه.

تصنيف الشرائح الدخلية واتساع قاعدة الفقراء

أشار فارساني بدقة إلى مشكلة الخلل في تصنيف الشرائح الدخلية. فآليات التصنيف المعتمدة على دخل ونفقات الأسر في إيران تعاني من إشكالات متعددة، إذ قد تؤدي أساليب الحساب ومعايير خط الفقر إلى وضع بعض الأسر في شرائح أعلى من واقعها المعيشي، رغم افتقارها إلى القدرة الشرائية الكافية.

ومع استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الحياة، يمكن أن تنزلق شرائح أوسع من السكان إلى أدنى مستويات الدخل، حتى أولئك المصنفين ظاهرياً ضمن الشريحة الثامنة.

وإذا استمر نمو التكاليف بوتيرة تفوق نمو الدخول، تُظهر التحليلات أن الشرائح المتوسطة قد تنجرف سريعاً نحو دائرة الفقر، ما سيزيد عدد الأشخاص الذين يكافحون لتأمين احتياجاتهم الأساسية. وفي هذا السياق، لا يبدو تحذير فارساني بعيداً عن الواقع، خاصة في ظل ما تشير إليه التقارير المستقلة حول أوضاع الدخل والإنفاق الأسري. وعليه، فإن الحديث عن احتمال ارتفاع عدد الفقراء إلى 55 مليون نسمة، رغم ما يحمله من طابع مقلق، ينبغي تقييمه في إطار الحقائق الاقتصادية، والتضخم المزمن، وتراجع القوة الشرائية، وهي عوامل يؤكدها العديد من المحللين والتقارير، وتدل جميعها على أن الفقر في إيران بات تحدياً عميقاً ومتعدد الأبعاد وآخذًا في الاتساع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى