الصحافة الإيرانية: وثيقة ترامب المثيرة للجدل

تتسم وثيقة استراتيجية الأمن القومي في عهد ترامب بطابع هوياتي واضح، وبنزعة حضارية ومعيارية، مع تركيزها على تعريف خاص ومحدد للهوية الأميركية والهوية الغربية.

ميدل ايست نيوز: أثار نشر وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية المؤلفة من 33 صفحة في الأسبوع الأول من ديسمبر 2025، ضجة واسعة على مستوى العالم، على غرار معظم تحركات إدارة ترامب. ويُعد نشر هذه الوثيقة إجراءً بيروقراطيًا معتادًا في الولايات المتحدة، إذ يقوم الرؤساء الأميركيون عادة بنشر الإطار العام لسياساتهم في مجال الأمن القومي مرة واحدة على الأقل خلال ولايتهم الرئاسية. غير أن حكومة ترامب، التي تسعى إلى إظهار صورة مختلفة في الأسلوب والمنهج مقارنة بالإدارات الأميركية السابقة، قد انتهجت في مضمون هذه الوثيقة مسارًا مغايرًا أيضًا، وقدمت نصًا غير تقليدي نسبيًا من حيث المحتوى، وإن كان ذلك لا يعني أنها سلكت طريقًا مختلفًا بالكامل.

وقال الممثل السابق إيران في الأمم المتحدة محمد كاظم سجاد بور، في مقال على دبلوماسي إيراني، إنه يجدر التنويه إلى أن قلة من الوثائق استطاعت خلال فترة قصيرة أن تستقطب هذا القدر من الاهتمام وتثير هذا الحجم من الجدل. فكيف يمكن قراءة هذه الوثيقة وتحليلها؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التوقف عند الادعاءات التي تطرحها إدارة ترامب في وثيقة استراتيجية الأمن القومي، على أن يتم فحص هذه الادعاءات بالتوازي مع «أسلوب الفعل والممارسة» لدى إدارة ترامب، وصولًا إلى دراسة تداعيات هذه الوثيقة على ساحات الأمن القومي الأميركي.

تمثل وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية في الواقع بيان ادعاء لحكومة ترامب والقائمين عليها. ويمكن رصد ما لا يقل عن ثلاثة ادعاءات أساسية بين سطور هذه الوثيقة وكلماتها:

الادعاء الأول يتمحور حول ما تعتبره الوثيقة انحرافًا وسلوكًا خاطئًا انتهجته الإدارات الأميركية السابقة في متابعة سياسات الأمن القومي، ويتجاوز ذلك إلى توجيه انتقاد لاذع لأسلوب الحكم الداخلي والدولي لتلك الإدارات. ولا شك أن حدة اللغة وقسوتها تجاه النخب الحاكمة الحالية والسابقة في مجال الأمن القومي لا يمكن مقارنتها بأي وثيقة استراتيجية أمن قومي أميركية أخرى. بعبارة أوضح، إن الادعاء المحوري للوثيقة هو أن الإدارات السابقة والمسؤولين عن إدارة البلاد «لم يكونوا يفهمون، بينما نحن نفهم». ويبرز في الأجزاء التمهيدية للوثيقة بشكل خاص ادعاء امتلاك فهم متعالٍ وشبه مقدس في مقابل جهل السابقين.

أما الادعاء الثاني فيتمثل في التفوق الشامل للولايات المتحدة في مختلف مجالات الحياة الدولية. وأكثر ما يلفت الانتباه في هذا الادعاء هو التفوق القيمي أو المعياري للولايات المتحدة، وفق القراءة التي يقدمها ترامب وفريقه لما يعتبرونه القيم العليا لهذا البلد. من هذا المنطلق، تتسم وثيقة استراتيجية الأمن القومي في عهد ترامب بطابع هوياتي واضح، وبنزعة حضارية ومعيارية، مع تركيزها على تعريف خاص ومحدد للهوية الأميركية والهوية الغربية. كما تشير الوثيقة إلى الترابط بين العالم الأنغلوسكسوني.

يتمحور الادعاء الثالث حول نقاط ضعف وقوة الآخرين. ففي هذه الوثيقة تُصوَّر أوروبا على أنها عاجزة، وتُقدَّم إيران على أنها ضعيفة، بينما تُعرض الصين على أنها قوة صاعدة لكنها قابلة للإدارة. كما ترد ادعاءات أخرى بشأن مناطق مختلفة من العالم، يبتعد بعضها كثيرًا عن الواقع. ومن ذلك تصوير الشرق الأوسط على نحو يوحي بأن وقف إطلاق النار في غزة، إلى جانب الهجمات التي شنها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على إيران، قد أسهما في تهدئة المنطقة.

ورغم هذه الادعاءات لا يمكن اعتبار ترامب بالنظر إلى سلوكه العملي رئيسًا ملتزمًا بالوثائق. فالوثائق عمومًا توضح الأطر العامة وتنظم السلوك، غير أن سيكولوجية ترامب تكشف عن عدم التزامه بها. إذ لا يحكم تصرفاته إطار سوى مصلحته الشخصية، وليس المصلحة الأميركية، وهو مستعد لتجاوز أي إطار في هذا السياق. وإلى جانب هذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، تركز وثيقة استراتيجية الأمن القومي الجديدة، من حيث مقاربة الفعل والممارسة، على مفهوم السيادة الوطنية، وتنتقد المنظمات الدولية بدعوى أنها تشكل تحديًا للسيادة الأميركية. ولا يعني هذا التشديد على السيادة الوطنية احترام سيادة الآخرين، بل يعكس في الواقع سعي الولايات المتحدة إلى التفرد والهيمنة في العلاقات الدولية.

أما تداعيات وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية، فتتمثل في إعادة تفسير وتحول محاور التركيز والارتكاز في السياسة الخارجية الأميركية خلال السنوات المقبلة. يتمثل التحول الأول في هذا النهج الجديد في العودة الجادة والشاملة إلى أميركا اللاتينية والقارة الأميركية عمومًا. فوفقًا لهذه الوثيقة، وبناءً على سلوك الإدارة خلال الأشهر الأولى من الولاية الثانية لترامب، ستسعى الولايات المتحدة إلى التركيز على أميركا اللاتينية سواء على المستوى القاري أو من خلال العلاقات الثنائية مع كل دولة على حدة.

أما محور التركيز الثاني، فيتمثل في العودة إلى نوع من السياسة الدولية القائمة على تسوية القضايا بين القوى الكبرى. وتشير الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى عقد تفاهمات مع روسيا، وإلى حد ما مع الصين، حيث يشكل الاعتراف بمناطق النفوذ جوهر السلوك الحاكم للعلاقات بين القوى الكبرى في هذه الاستراتيجية. أما المحور الثالث، فيتمثل في تقليص التركيز.

فأميركا في عهد ترامب لن تركز على أوروبا، بل إن الوثيقة تنطوي على نظرة دونية تجاهها، وهو أمر جدي وواضح. كما تتخذ الوثيقة موقفًا معاديًا بشكل خاص للاتحاد الأوروبي بوصفه كيانًا متعدد الأطراف. وإلى حد ما، تقلص الوثيقة أيضًا من مستوى التركيز على الشرق الأوسط، إذ ترسم بالاستناد إلى تطورات العقود الماضية مسارًا يوحي بأن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في الانخراط في الصراعات السابقة في هذه المنطقة.

خلاصة القول، إن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية تشكل مرآة لطموحات وإدعاءات حكومة ترامب، غير أن السؤال يبقى مطروحًا: هل ستتحرك السياسة الخارجية الأميركية في الواقع وفق ما ورد في هذه الوثيقة؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى