انتقادات تطال وزير الخارجية الإيراني بعد تصريحات حول «بركات العقوبات» على إيران
قال الصحافي الإيراني الشهير أحمد زيد آبادي إن العقوبات بطبيعتها إجراء علني ذو هدف واضح يتمثل في إضعاف الاقتصاد وإثارة استياء الشعوب وتحريضهم على حكوماتهم، فما هي هذه المؤامرة التي اكتشفها عراقجي وكشفها للتو؟

ميدل ايست نيوز: برز اسم عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني في واجهة الاهتمام العالمي والمحلي خلال الفترة الأخيرة، لكن ليس لدوره في إحياء الاتفاق النووي في عام 2015 أو تحقيق انجازات دولية بارزة، وإنما بسبب تصريحاته المثيرة للجدل حول ما وصفه بـ “بركات العقوبات”.
وقال وزير الخارجية الإيراني، في تصريحات حظيت بتفاعل واسع، خلال لقائه نشطاء اقتصاديين في مدينة أصفهان، إن العقوبات ليست مشكلة، بل فرصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل و«بركة»، معتبراً أن المشكلات الأساسية التي تواجه إيران داخلية، وتعود إلى سوء الإدارة والفساد.
وأضاف أن التجار ورجال الأعمال لم يطالبوه برفع العقوبات، بل طالبوا بحل المشكلات الجمركية والضريبية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يمر فيه الاقتصاد الإيراني بإحدى أصعب مراحله خلال العقود الأخيرة، في ظل تضخم مزمن، وتراجع حاد في قيمة العملة الوطنية، وتحذيرات من انزلاق شريحة واسعة من المجتمع إلى ما دون خط الفقر.
وقد انطلقت الانتقادات لتصريحات عراقجي فوراً ومن أطياف مختلفة. إذ وجّه محمد طبيبيان، الاقتصادي البارز، انتقاداً لاذعاً لوزير الخارجية، مذكّراً إياه بعدم التحدث باسم الشعب. وكتب طبيبيان: «نحن نعلم أن سعادته قادر على العيش برفاهية حتى في ظروف أسوأ من هذه. من الإنصاف ألا تتحدثوا باسم الناس، اسألوا الناس أنفسهم، ودعوهم يعبّرون بلغتهم عن أوضاعهم».
كما أشار الصحافي أحمد زيد آبادي، خلال انتقاده لتصريحات عراقجي بشأن «مؤامرة جديدة للعدو» لإثارة السخط الاقتصادي، إلى نقطة جوهرية قائلاً: «المؤامرة عادةً ما تعني مخططات سرية وغير معلنة. خطة الولايات المتحدة لإخضاع الاقتصاد الإيراني هي برنامج معلن بالكامل. فالعقوبات بطبيعتها إجراء علني بهدف واضح يتمثل في إضعاف الاقتصاد وإثارة استياء الناس وتحريضهم. فما هي هذه المؤامرة التي اكتشفها السيد عراقجي وكشفها للتو؟».
وأشار إلى أن محاولة الجهاز الدبلوماسي تقليص دور العقوبات واعتبارها مجرد «مؤامرة جديدة» أو عاملاً ثانوياً، ليست سوى نوع من التهرّب من المسؤولية للتغطية على الإخفاقات البنيوية والدبلوماسية. فإذا كانت العقوبات مجرد مؤامرة جديدة، فلماذا استطاع «أخطبوط العقوبات» على مدى ثلاثة عقود استهداف معيشة المجتمع وبنيته ودفع الاقتصاد إلى مرحلة التآكل؟
وفي هذا السياق، اتهم فاضل ميبدي، المحلل السياسي، وزير الخارجية الإيراني بأنه «لم يحقق للبلاد أي إنجاز سوى السفر، ولم تكن لديه خريطة طريق في مواجهة ترامب غير المتوقع ونتنياهو الإبادي». وتساءل بصراحة: «سيد وزير الخارجية، هل أنتم مطّلعون على أسعار منتجات الألبان واللحوم والبقوليات وسائر احتياجات الناس؟ أم تكتفون بالقول إن السياسة الخارجية لا علاقة لها بالاقتصاد؟».
وقد وفّرت العقوبات على إيران بيئة ملائمة لنمو «الفساد» وظهور طبقة من «تجّار العقوبات» الذين يستفيدون من الاقتصاد المغلق. وأسهم هذا التفاعل في تفاقم التضخم المزمن وأدى إلى تآكل الأسس الاجتماعية. وبناءً عليه، فإن الحديث عن «بركات العقوبات» لا يُعد تبريراً غير منطقي فحسب، بل يُنظر إليه أيضاً على أنه نوع من الدعم لشبكات الريع والفساد هذه.
وفي الإطار ذاته، شددت صحيفة «توسعة إيراني» على أنه رغم محاولة عراقجي التقليل من شأن العقوبات والتهديدات الخارجية، فإن اعترافه بوجود الفساد وسوء الكفاءة و«مافيا السلطة» في الداخل، يكشف من دون قصد جانباً آخر من الأزمة، يتمثل في القيود الداخلية التي وضعت إيران على حافة الانهيار.
ويرى محللون أن جزءاً كبيراً من الركود والصعوبات الاقتصادية ناتج عن هذه «القيود الداخلية»، بما في ذلك تعقيد القوانين، والبيروقراطية المشلّة، وغياب التنسيق المؤسسي، وانعدام الشفافية، ما أضعف الأمن القانوني. وقد أدت هذه العوائق إلى رفع تكاليف الإنتاج بشكل حاد، وخفض القدرة الشرائية للمواطنين، وتعميق السخط الاجتماعي.
غير أن النقطة الأهم تكمن في التفاعل بين العقوبات الخارجية والقيود الداخلية. فقد أوجدت العقوبات بيئة مواتية لنمو «الفساد المنهجي»، إذ أدى إغلاق المسارات القانونية للتجارة إلى الاعتماد على الوسطاء والشبكات الخفية، وظهور طبقة من «تجّار العقوبات» المستفيدين من الاقتصاد المغلق. وقد استحوذ هؤلاء، عبر إقصاء المنافسة، على احتكار التجارة الداخلية والخارجية، وحوّلوا مبالغ ضخمة من الأموال العامة إلى الاقتصاد غير الرسمي من دون إمكانية للمساءلة.



