إيران ومستقبل الصراع.. تسوية محدودة أم تصعيد مفتوح؟
شكّل عام 2025 نقطة تحوّل في مسار التوتر بين إسرائيل وإيران، بعد أن خرجت المواجهة بينهما من إطار "حرب الظل" إلى صدام عسكري مباشر، هو الأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
ميدل ايست نيوز: شكّل عام 2025 نقطة تحوّل في مسار التوتر بين إسرائيل وإيران، بعد أن خرجت المواجهة بينهما من إطار “حرب الظل” إلى صدام عسكري مباشر، هو الأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
ورغم أن هذه المواجهة لم تتحول إلى حرب شاملة، فإنها أسقطت قواعد اشتباك استمرت سنوات، وفتحت مرحلة جديدة من عدم اليقين في المنطقة. وتزامن ذلك مع تصاعد غير مسبوق في العقوبات الأميركية على طهران، وانسداد شبه كامل في المسار الدبلوماسي للملف النووي.
ووجدت إيران نفسها أمام ضغوط مركّبة، عسكرية واقتصادية وسياسية، في وقت تسعى فيه دول إقليمية إلى إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
ومع اقتراب عام 2026، تبرز تساؤلات أساسية حول اتجاه الصراع: هل تفتح تداعيات حرب 2025 نافذة لتفاهمات محدودة تخفف حدة التوتر؟ أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة أعمق من التصعيد وفرض الوقائع بالقوة؟
كسر المحظور
ومثّلت المواجهة العسكرية التي اندلعت في يونيو/حزيران 2025 بين إيران وإسرائيل تحوّلا في طبيعة الصراع بين الطرفين، فبعد سنوات من التصعيد غير المباشر والهجمات السيبرانية والعمليات السرية، انتقلت المواجهة لتبادل ضربات عسكرية مباشرة ومعلنة.
وشملت تلك المواجهة استهداف مواقع عسكرية ونووية واغتيالات طالت كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين داخل العمق الإيراني، وردودا إيرانية لم تستطع تل أبيب إخفاءها، مما وسّع نطاق الصراع ورفع مستوى المخاطر، ورغم أن الحرب ظلت محدودة الزمن والاتساع الجغرافي، فإنها كشفت هشاشة قواعد الردع السابقة.
وتشير تحليلات مراكز بحثية إيرانية إلى أن حرب 2025 شكّلت نقطة تحوّل في طبيعة الصراع مع إسرائيل، بعدما انتقل من نمط عمليات محسوبة ضمن ما كان يُعرف بـ”حرب الظل” إلى مواجهة أكثر مباشرة.
وترى أستاذة العلاقات الدولية، معصومة فلاحتي، في مقال نشره مركز أبحاث “إيراس” الإيراني، أن هذه الحرب كشفت هشاشة قواعد الردع التقليدية التي حكمت العلاقة بين الطرفين لسنوات، وفتحت الباب أمام مرحلة أقل استقرارا، تتراجع فيها فعالية الخطوط غير المعلنة التي كانت تضبط مستوى التصعيد، في ظل غياب قنوات اتصال مباشرة وقادرة على احتواء الأزمات.

تراكم الأعباء
ودخلت إيران عام 2025 وهي تخضع لنظام عقوبات أميركية يُعد من الأكثر تشددا منذ عقود، ولم يقتصر على النفط والقطاع المصرفي، بل توسّع ليشمل شبكات التهريب، والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، وشركات ووسطاء في عدة مناطق حول العالم.
وأدت عودة العقوبات الأممية والأوروبية، بالتزامن مع الحرب، لتفاقم الضغوط على الاقتصاد الإيراني.
وحسب تحليل لأستاذ العلوم السياسية في جامعة العلامة الطباطبائي، حشمت الله فلاحت بيشه، نشره موقع أنباء “عصر إيران”، انعكس ذلك، في تراجع عائدات العُملة الصعبة، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الضغوط على المالية العامة، مع اضطرار الحكومة إلى تحمل كلفة متزايدة للإنفاق العسكري والأمني.
ويشير التحليل إلى أن هذه الأعباء جاءت في وقت تعاني فيه البلاد أصلا من تحديات اجتماعية ومعيشية متراكمة.
في المقابل، واصلت طهران الاعتماد على آليات مختلفة للتكيّف مع العقوبات، بينها توسيع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، وتعزيز التجارة الإقليمية، وخاصة مع الصين، إضافة لمحاولات توطيد التعاون الاقتصادي مع روسيا.
وتشير تقارير وتحليلات نشرها الإعلام الإيراني، بينها تحليل “واي جيه سي” (YJC) (وكالة نادي المراسلين الشباب)، إلى أن الصين باتت الشريك التجاري الأهم لإيران في ظل العقوبات، لكن هذا التعاون يبقى محصورا إلى حد كبير في مجالات بعينها، ويجري في جزء منه عبر آليات مالية بديلة فرضتها العقوبات.
في الوقت نفسه، لفتت تحليلات أخرى، بينها ما نشره موقع “تابناك” الإيراني للأنباء، إلى أن مستوى التبادل التجاري مع روسيا لا يزال دون التوقعات، وأن القيود المفروضة على شبكات الالتفاف على العقوبات حدّت من قدرة هذه المسارات على تعويض الخسائر البنيوية التي يعانيها الاقتصاد الإيراني.
وتودع إيران العام الجاري بسعر هو الأعلى للدولار مقابل عملتها ما يعادل أكثر من 130 ألف تومان.
مفترق ومساران
ومع دخول عام 2026، يبدو المشهد الإيراني أمام مفترق طرق، تحكمه حسابات دقيقة لدى مختلف الأطراف، ويبرز بهذا السياق مساران رئيسيان:
- تفاوضي محدود
حيث يرجح الباحث السياسي، رضا غبيشاوي، أن يشهد عام 2026 محاولات لفتح مسار تفاوضي محدود، لا يهدف لاتفاق شامل كالذي وُقّع عام 2015، بل إلى تفاهمات مرحلية تتعلق بالملف النووي.
وقد تشمل هذه التفاهمات والوعود -يضيف غبيشاوي للجزيرة نت- فتح الأبواب لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المواقع النووية التي قصفت في الحرب ضد إسرائيل، وتجميد بعض أنشطة التخصيب الحسّاسة، وتوسيع نطاق الرقابة الدولية، مقابل تخفيف جزئي ومدروس لبعض العقوبات، خاصة في القطاعات الإنسانية والنفط.
وتدفع اعتبارات براغماتية لدى الطرفين إلى هذا المسار -بحسب الباحث- الذي يرى أن الولايات المتحدة تسعى لمنع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية، وتجنب مواجهة جديدة في المنطقة. في المقابل، تحتاج طهران إلى متنفس اقتصادي يُخفّف الضغوط الداخلية، وفق قوله.
ويتابع غبيشاوي أن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها انعدام الثقة، والضغوط السياسية الداخلية في أميركا وإسرائيل، إضافة إلى وجود تيارات متشددة داخل إيران تعارض أي تنازل.
- استمرار الضغط والتصعيد
في المقابل، يعتقد غبيشاوي أن يبقى سيناريو استمرار الضغط قائما، عبر تشديد العقوبات، وتعزيز الردع العسكري، وفرض وقائع ميدانية وأمنية جديدة.
ويفترض هذا النهج أن الضغط المتراكم قد يدفع إيران إلى تغيير سلوكها أو القبول بشروط أكثر تشددا، حسب قوله، غير أن محللين يحذرون من مخاطر هذا المسار، خاصة احتمال سوء التقدير، أو دفع طهران إلى تسريع برنامجها النووي بوصفه أداة ردع.
ويؤكد غبيشاوي أن هذا السيناريو ينطوي على مخاطر أوسع، تتعلق باستقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية، في منطقة تمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي.



