البرلمان العراقي يفتتح دورته التشريعية السادسة بانتخاب هيبت الحلبوسي رئيساً له
انتخب البرلمان العراقي الجديد، في جلسته الأولى للدورة الانتخابية السادسة، التي عقدت اليوم الاثنين، هيبت الحلبوسي رئيساً له، في خطوة مفصلية تؤشر لانطلاق عمل السلطة التشريعية في مرحلة سياسية جديدة.

ميدل ايست نيوز: انتخب البرلمان العراقي الجديد، في جلسته الأولى للدورة الانتخابية السادسة، التي عقدت اليوم الاثنين، هيبت الحلبوسي رئيساً له، في خطوة مفصلية تؤشر لانطلاق عمل السلطة التشريعية في مرحلة سياسية جديدة.
وعقد مجلس النواب العراقي في بغداد، وسط إجراءات أمنية وترقب سياسي واهتمام إعلامي كبير في البلاد، وحضور نيابي واسع شمل 309 من أصل 329 نائباً، ترأسها النائب عامر الفايز رئيساً بوصفه الأكبر سناً، وفقاً لما يفرضه الدستور العراقي بجلسة البرلمان الأولى.
وانتُخب هيبت الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب بعد حصوله على الأغلبية البرلمانية، بـ(208) صوتاً بوصفه مرشحاً عن الأغلبية السياسية السنية، المتمثلة بـ”المجلس السياسي الوطني” وبعد إعلان رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي سحب ترشيحه للمنصب دعماً لمرشح الأغلبية السنية الحلبوسي.
وسبقت الجلسة الأولى توافقات سياسية مكثفة، هدفت لتسريع تشكيل رئاسة البرلمان وتجنب الانسداد السياسي لمنع خرق أي من التوقيتات الدستورية؛ التي شدد عليها مجلس القضاء الأعلى في وقت سابق.
وتتزامن هذه التطورات مع استعدادات مكثفة للمرحلة المقبلة، التي ينتظر أن تشهد تحديات كبيرة على المستويات التشريعية والرقابية، أبرزها إقرار القوانين الخلافية، ومتابعة تشكيل الحكومة، ومعالجة الملفات الاقتصادية والخدمية والأمنية، فضلاً عن تلبية تطلعات الشارع العراقي بالإصلاح وتعزيز الاستقرار السياسي.
من هو رئيس مجلس النواب الجديد
هيبت الحلبوسي، المولود عام 1980 في محافظة الأنبار، حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة المستنصرية، وقد انعكس هذا المسار الأكاديمي على حضوره داخل البرلمان، حيث عُرف بتركيزه على التفاصيل التشريعية وآليات العمل البرلماني، أكثر من اعتماده على الخطاب الشعبوي أو التصعيد الإعلامي.
دخل الحلبوسي مجلس النواب للمرة الأولى عام 2018 نائبًا عن الأنبار، في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا بتاريخ البلاد، تزامنًا مع ما شهدته البلاد من تظاهرات شعبية واسعة أسقطت حكومة عادل عبد المهدي، وما رافقها من تحديات أمنية وسياسية. وتدرّج في مواقع مؤثرة داخل المجلس، كان أبرزها رئاسة لجنة النفط والطاقة، وهي من اللجان المحورية التي تتقاطع مع ملفات الاقتصاد الوطني والثروة النفطية والعلاقة بين بغداد وأربيل.
سياسيًا، يُعد الحلبوسي من القيادات البارزة في حزب “تقدم”، الذي يتزعمه رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي. وقد ترأس هيبت الحلبوسي كتلة الحزب في البرلمان، واستطاع الحزب، من خلال كتلته البرلمانية، أن يكون طرفًا فاعلًا في المفاوضات السياسية، لا سيما في ملفات تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب السيادية، وهو ما انعكس بوصول أحد قياداته إلى رئاسة البرلمان.
وبتسلمه رئاسة المجلس، يواجه الحلبوسي جملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها إدارة الانقسامات داخل البيت السني، وضمان عدم انعكاسها على أداء البرلمان. كما سيكون مطالبًا بالحفاظ على توازن دقيق مع القوى الشيعية والكردية، في ظل برلمان تتقاطع داخله المصالح والتحالفات بشكل متغير.
خطوة دستورية مهمة
ويقول عضو البرلمان الجديد، النائب أحمد الشرماني، إن “عقد الجلسة الأولى يمثل خطوة دستورية مهمة تعكس حرص القوى السياسية على المضي باستكمال الاستحقاقات الدستورية”. وبين الشرماني أن “المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف جهود البرلمان التشريعية والرقابية، لا سيما في ما يتعلق بإقرار القوانين ذات الأولوية، ومتابعة أداء الحكومة، ومعالجة الملفات الخدمية والاقتصادية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، فضلًا عن دعم الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، خاصة أن الشارع العراقي يعلق آمالاً كبيرة على هذه الدورة البرلمانية”.
وشدد أن “على جميع الكتل السياسية تجاوز الخلافات، وتغليب المصلحة العامة، والعمل على بناء ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسة التشريعية، من خلال تشريعات فاعلة ومواقف واضحة تخدم تطلعات الشعب، ومجلس النواب في دورته السادسة سيكون أمام اختبار حقيقي في ترجمة الوعود السياسية إلى أفعال ملموسة”.
تحديات كبيرة
من جهته، قال النائب عن كتلة بدر البرلمانية مختار الموسوي، إنه “بعد الجلسة الأولى للبرلمان العراقي وانتخاب هيئة المرحلة المقبلة ستشهد تحديات كبيرة أمام مجلس النواب، ولا سيما في ما يتعلق بملف تشكيل الحكومة، في ظل استمرار الخلافات السياسية وتباين المواقف بين الكتل، فضلاً عن الصراع المرتقب حول توزيع الحقائب الوزارية، خصوصاً الوزارات السيادية، وأكيد هذه القضايا سيكون لها تداعيات وتأثير على سير عمل المؤسسة التشريعية مع بدء عملها”.
وبين الموسوي أن “مجلس النواب، رغم استكمال انتخاب رئاسته، سيواجه واقعاً سياسياً معقداً ينعكس بشكل مباشر على مسار تشكيل الحكومة، والتنافس بين القوى السياسية على الوزارات ذات الثقل السياسي والأمني والاقتصادي، قد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات وتعقيد التفاهمات”.
وأكد أن “الخلافات لا تقتصر على الأسماء والحقائب فحسب، بل تمتد إلى طبيعة البرنامج الحكومي وأولويات المرحلة المقبلة، الأمر الذي يفرض على القوى السياسية مسؤولية مضاعفة لتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والفئوية، تفادياً للدخول في حالة انسداد سياسي جديدة”.
ووفق التوقيتات الدستورية التي أعلن عنها مجلس القضاء الأعلى في العراق فإن رئيس مجلس النواب ونائبيه ينتخبون خلال 15 يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات، على أن يُنتخب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً من أول جلسة للبرلمان بعد انتخاب رئاسته. ويكلف رئيس الوزراء خلال 15 يوماً من انتخاب رئيس الجمهورية، بتشكيل الحكومة خلال 30 يوماً من تاريخ التكليف. هذه التوقيتات تعني أن الحكومة العراقية الجديدة، التي ستكون آخر حلقات الاستحقاق الانتخابي من جهة الترتيب الزمني، قد ترى النور نهاية فبراير/شباط المقبل في حال جرى التوصل إلى توافقات سياسية، لكن التجارب العراقية السابقة مع التوقيتات الدستورية لم تشهد أي التزامات من القوى السياسية بها.
في المقابل، قال الباحث في الشأن السياسي جاسم الغرابي، إن “نجاح مجلس النواب العراقي في عقد جلسته الأولى وانتخاب رئاسة البرلمان يعد تطوراً مهماً في مسار العملية السياسية، ورسالة طمأنة للرأي العام بأن القوى السياسية قادرة ولو نسبياً على تجاوز حالة الانسداد التي رافقت المرحلة السابقة”.
وأضاف الغرابي أن “هذا الاتفاق لا يعني انتهاء الأزمة السياسية، بل يمثل خطوة إجرائية ضرورية لفتح الباب أمام استكمال الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح الكتلة الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة الجديدة ضمن التوقيتات التي نص عليها الدستور”.
وتابع أن “المرحلة المقبلة ستشهد تحديات كبيرة، أبرزها ملف التشريعات المهمة والمعطلة، مثل القوانين ذات البعد الاقتصادي والخدمي، وقوانين الإصلاح الإداري، إضافة إلى تشريعات تتعلق بتنظيم العلاقة بين السلطات وتعزيز الرقابة البرلمانية، وقدرة البرلمان على تمرير هذه القوانين ستعد اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية التوافقات السياسية الحالية”.
تحدي الالتزام بالتوقيتات الدستورية
وأكد الباحث في الشأن السياسي أن “التحدي الأكبر يتمثل في الالتزام بالتوقيتات الدستورية الخاصة بعملية تشكيل الحكومة الجديدة، وعدم تكرار سيناريو التأخير الذي شهدته تجارب سابقة، وأي تعثر في هذا المسار سينعكس سلباً على الاستقرار السياسي”.
وبعد سقوط النظام السابق عام 2003، شهد العراق تحولاً جذرياً في هيكلية الحكم، فقد انتقل من نظام رئاسي مركزي إلى نظام ديمقراطي برلماني اتحادي، وأصبح البرلمان العراقي الركيزة الأساسية للسلطة التشريعية في البلاد. ويشكل مجلس النواب السلطة التشريعية العليا، وهو الجهة المسؤولة عن سن القوانين، ومراقبة عمل الحكومة، وتمثيل المواطنين العراقيين. وينتخب أعضاء المجلس مباشرة من الشعب عبر الانتخابات العامة، ما يعكس تنوع المكونات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
ويتميز النظام البرلماني في العراق بعد 2003 بأن الشعب ينتخب النواب، بينما يختار مجلس النواب رئيس الوزراء والوزراء. وتحتاج الحكومة الجديدة إلى تصويت الثقة من البرلمان العراقي قبل ممارسة صلاحياتها، ما يضمن الرقابة والمساءلة. ويشمل هذا النظام فصل السلطات بين التشريعية (مجلس النواب)، والتنفيذية (الحكومة)، والقضائية (المحاكم المستقلة).
ومن أبرز صلاحيات البرلمان العراقي تشريع القوانين، والمصادقة على الموازنة العامة، وانتخاب رئيس الجمهورية، ومنح الثقة أو سحبها من الحكومة، واستجواب الوزراء ورئيس الوزراء، فضلاً عن الموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية. وجرى اعتماد النظام البرلماني بعد 2003 بهدف منع تركيز السلطة في يد شخص واحد، وتحقيق مشاركة واسعة لمكونات المجتمع العراقي، وضمان التوازن بين السلطات المختلفة. ويضم المجلس حالياً 329 نائباً يمثلون مختلف المحافظات والمكونات العراقية. ويعد مجلس النواب، منذ تأسيسه بعد 2003، المؤسسة الأساسية التي تشكل الحكومة وتراقب أداءها، في إطار نظام ديمقراطي برلماني يضمن مشاركة المواطنين ومكونات المجتمع في صناعة القرار السياسي.



