الصحافة الإيرانية: نموذج “العثمانية الجديدة” في المنطقة

تحاول تركيا بطريقة تحاكي «النموذج الإيراني» في لبنان أن تقدم نفسها ليس فقط كـ«الأب الروحي للسنة في المنطقة»، بل تسعى أيضًا لتكييف النموذج الإيراني بطريقة مختلفة عبر النفوذ الناعم.

ميدل ايست نيوز: فتح ضعف النفوذ الإيراني في سوريا المجال أمام تركيا لتبرز كلاعب جديد في المنطقة. فبعد انهيار نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 على يد المعارضين من «هيئة تحرير الشام» الذين كانوا تحت النفوذ التركي، لم تقتصر تركيا على ضم هؤلاء تحت جناحها لتصبح اللاعب الأبرز في الساحة السورية، بل شرعت أيضًا بمحاولة تطبيق عقيدة «الأرض الزرقاء» في لبنان. إذ يبدو أن لبنان يشهد الآن «فراغًا استراتيجيًا» يسعى خلفاؤه الأتاتوركيون لملئه عبر «النفوذ الناعم». لكن كيف يحدث ذلك؟

وقال الصحفي الإيراني والمحلل السياسي، محمد حسين باقي، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إنه في القاموس التركي، يُعتبر لبنان «الحلقة المفقودة» لربط أنقرة بالبحر الأبيض المتوسط. إلا أن استراتيجيتهم تتجاوز مجرد البروز الإقليمي. فتركيا تحاول بطريقة تحاكي «النموذج الإيراني» في لبنان أن تقدم نفسها ليس فقط كـ«الأب الروحي للسنة في المنطقة»، بل تسعى أيضًا لتكييف النموذج الإيراني بطريقة مختلفة عبر النفوذ الناعم، أي دعم الشبكات الإخوانية بجانب إنشاء مؤسسات إغاثية وتقديم مساعدات إنسانية تشمل بناء المدارس والمستشفيات وغيرها. هذه الخطوة التركية متجذرة في طموحات البلاد لإعادة تعريف دورها وإحيائه في شرق البحر الأبيض المتوسط وحتى في منطقة الشرق الأوسط. يعتقد البروفيسور كريم حداد، من معهد «ديناميات الأمن الإقليمي»، أن تركيا ترغب في لعب دور «إيران السنية» في سوريا.

مع ذلك، يواجه هذا الدور التركي قيودًا هيكلية. فما هي؟ أولاً، من المحتمل أن تواجه تركيا ردود فعل من باقي العالم السني، بما في ذلك الإمارات والسعودية. ثانيًا، وفرت التطورات في سوريا ولبنان فرصة ذهبية لتركيا لتعريف مجال نفوذ جديد لها. ومع غياب إيران، تعتقد أنقرة أن أي حالة من عدم الاستقرار في دمشق وبيروت قد تُعتبر تهديدًا أمنيًا لها.

لكن هل تستطيع تركيا فرض النظام الذي ترغب فيه بمفردها؟ خرج رجب طيب أردوغان بعد لقاء مع دونالد ترامب بدعم قوي من واشنطن. فقد وصفه ترامب عدة مرات بأنه «قائد قوي» و«صديق». وبما أن ترامب يفضل التعامل مع القادة الاستبداديين أو غير الليبراليين على القادة الديمقراطيين، وبالنظر إلى تأثير تركيا على حركة حماس وإمكانية حضورها في غزة، إضافة إلى شبكة علاقاتها الواسعة، يرى الرئيس الأمريكي أردوغان كـ«فلتر» يمكنه من خلاله إدارة الشرق الأوسط.

ثالثًا، ما جعل تركيا تتجاوز حجمها الظاهري يظهر بوضوح في استراتيجيتها. إذ ترى الأخيرة نفسها قوة تفوق «القوة المتوسطة». منذ تولي أردوغان السلطة، اتبعت تركيا عدة دكاتير في سياستها الخارجية. فقد نادى أردوغان في بداياته بالإسلاموية، ووصفه أوباما بأنه مصدر إلهام للديمقراطية في الشرق الأوسط الإسلامي. خلال عهد أحمد داود أوغلو، اتبعت سياسة «صفر توتر مع الجيران». ثم دخلت تركيا عصر «العثمانية الجديدة»، واليوم تتبع استراتيجية «القوة الكبرى المتوسطة».

رابعًا، تعمل ماكينة الدعاية التركية بجد، متحدثة عن «قرن تركيا» الذي «مقدر له أن يكبر». في القاموس التركي، يُعتبر عصر الدولة العثمانية «العصر الذهبي» الذي يجب إحياؤه. حتى أن بعض قوائم الطعام في المطاعم التركية تضمنت «نكهة السلطان» لتذكير الزوار بعظمة الماضي. المسؤولون الأتراك يتحدثون علنًا عن «مسؤولية تركيا»، بينما يصفون بلادهم في السر بأنها «ضامن الاستقرار من القوقاز إلى سوريا». في إطار هذه الرؤية، عقدت تركيا خلال العقد الماضي اتفاقيات وشراكات دفاعية وأمنية في مناطق مختلفة من العالم: من ألبانيا والبوسنة في البلقان، وصولًا إلى الجزائر وليبيا وإثيوبيا والنيجر والصومال وتونس في أفريقيا؛ ومن باكستان إلى قطر في الشرق الأوسط، وحتى أذربيجان في القوقاز. وتسعى تركيا أيضًا لإقامة علاقات مع أرمينيا.

خامسًا، رغم سعي تركيا وراء طموحات إمبراطورية في الخارج، إلا أن الواقع يشير إلى أنها تواجه عراقيل في «الخارج القريب» مثل إسرائيل. داخليًا، تواجه تركيا أزمات تتعلق بالشرعية والمصداقية، وهو ما يمثل أكبر عائق أمام تحقيق أهدافها الخارجية. رغم أن حكومة أردوغان تمكنت من تسوية أزمة حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجالان، إلا أن الاقتصاد يعاني، حيث أدت معدلات التضخم المرتفعة وانخفاض قيمة العملة وعدم الاستقرار الاقتصادي إلى توجه البلاد نحو قطر والسعودية للاستثمار.

إضافة إلى ذلك، أدت عمليات التطهير السياسي إلى استبدال الكفاءات بـ«الموالين» و«المختارين بعناية» لدعم النظام السياسي. سياسيًا، أثارت عمليات الاعتقال خاصة فيما يتعلق بعكرم إمام أوغلو موجة من الاحتجاجات الداخلية. وعلى الرغم من شبكة العلاقات الخارجية الواسعة، تواجه تركيا أزمة داخلية حادة. يبدو أن تراجع المصداقية وتقليص الدعم لأردوغان وحزبه أدى إلى أن تواجه طموحات السلطان التركي بعض العثرات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى