الصحافة الإيرانية: هل يقود الضغط الإسرائيلي إلى مواجهة غير قابلة للاحتواء مع إيران؟
يحذر كثير من المراقبين من أن تكرار سيناريو المواجهة العسكرية مع إيران قد لا يكون قابلًا للاحتواء مثل الماضي، وقد يؤدي إلى تصعيد سريع ومتسلسل للتوترات في المنطقة.
ميدل ايست نيوز: توجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى الولايات المتحدة في وقت تتزامن فيه زيارته مع تصاعد التوترات الإقليمية وتفاقم الأزمات الداخلية في إسرائيل، في محاولة جديدة لإعادة إيران إلى صدارة المشاورات الأمنية مع واشنطن؛ وهي محاولة تتركّز هذه المرة على القدرات الصاروخية الإيرانية، بهدف إحياء الردع المتآكل لتل أبيب واستقطاب دعم الولايات المتحدة في مسار غامض ومرتفع الكلفة.
وقالت وكالة إرنا الحكومية، إن هذه الزيارة تأتي في وقت تواجه فيه تل أبيب، بعد أشهر من الانخراط في مواجهات على عدة جبهات، أزمة شرعية داخلية وانقسامات سياسية عميقة، إلى جانب بيئة إقليمية مضطربة وغير قابلة للتنبؤ. وفي هذا السياق، سعى نتنياهو مجددًا إلى وضع النهج التصادمي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية في صلب مشاوراته مع واشنطن، مع نقل بؤرة التركيز هذه المرة من الملف النووي إلى القدرات الصاروخية الإيرانية.
يحاول اليوم نتنياهو، الذي دأب طوال العقود الماضية على تصوير إيران باعتبارها «تهديدًا وجوديًا» لإسرائيل، من خلال تسليط الضوء على ملف الصواريخ الباليستية استقطاب دعم الولايات المتحدة لفرض ضغوط جديدة، وربما لتمهيد الطريق أمام عمل عسكري محتمل ضد طهران. يأتي ذلك في وقت يرى فيه كثير من المراقبين أن هذا المسار لا يتعارض فقط مع الأولويات المعلنة للسياسة الخارجية لإدارة دونالد ترامب، بل يعد محاولة لإعادة بناء الردع الإسرائيلي المتضرر وتكريس تفوقه العسكري في المعادلات الإقليمية أكثر من كونه سعيًا لاحتواء تهديد وشيك.
في المقابل، اعتبر البيت الأبيض عقب الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في شهر يونيو أن هذا الملف قد أُغلق عمليًا، فيما كرر دونالد ترامب مرارًا ادعاءه بأن البرنامج النووي الإيراني «دُمّر». وقد دفع هذا الموقف تل أبيب إلى تحويل تركيزها من الملف النووي إلى المجال الصاروخي، بهدف الإبقاء على مستوى من الضغط السياسي والأمني على إيران من دون الاصطدام المباشر برواية الرئيس الأميركي. ومع ذلك، يرى العديد من المحللين أن إعادة طرح الخيار العسكري ضد إيران لا تنسجم إلى حد كبير مع الاستراتيجية الجديدة لواشنطن، القائمة على تقليص الالتزامات العسكرية في الشرق الأوسط، وتجنّب الحروب المكلفة والتركيز على الاستقرار والتعاون الاقتصادي وتطبيع العلاقات الإقليمية.
ومن وجهة نظر منتقدي سياسات تل أبيب، لا يقتصر هدف إسرائيل على مواجهة تهديدات قصيرة الأمد، بل يتمثل في مسعى طويل الأمد لإعادة تشكيل نظام إقليمي تمتلك فيه اليد العليا في المعادلات الأمنية. قد يقود هذا النهج إلى مواجهات متقطعة لكن استنزافية مع إيران، تزيد في كل مرة من احتمالات انجرار الولايات المتحدة مباشرة إلى أزمة جديدة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى التحذيرات المتكررة بشأن القدرات الصاروخية الإيرانية، ليس بوصفها انعكاسًا لتهديد وشيك، بل كأداة لتبرير استمرار الضغوط ومنع إغلاق ملف المواجهة بشكل كامل.
في الوقت ذاته، لا يوجد داخل الولايات المتحدة إجماع واضح بشأن الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. فشريحة واسعة من القاعدة الاجتماعية لترامب تعارض أي تدخل عسكري جديد، وتضع القضايا الداخلية والاقتصادية في مقدمة أولوياتها، في حين يواصل جزء من النخب السياسية والداعمين التقليديين لإسرائيل التأكيد على ضرورة اعتماد نهج متشدد تجاه إيران. هذا الانقسام يزيد من تعقيد عملية صنع القرار في البيت الأبيض، ويرفع بشكل ملموس الكلفة السياسية لأي انخراط في مغامرة عسكرية جديدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يحذر كثير من المراقبين من أن تكرار سيناريو المواجهة العسكرية مع إيران قد لا يكون قابلًا للاحتواء مثل الماضي، وقد يؤدي إلى تصعيد سريع ومتسلسل للتوترات في المنطقة. من هذا المنطلق، فإن مصير هذا الملف لا يرتبط فقط بحجم الضغوط واللوبيات التي تمارسها تل أبيب، بل بإرادة واشنطن في رسم حدود واضحة لدورها في تطورات الشرق الأوسط؛ وهي إرادة، إذا لم تُمارس بوضوح، قد تضع المنطقة مجددًا على أعتاب أزمة عالية الكلفة.
ورغم سعي نتنياهو، بالاستناد إلى الدعم السياسي من ترامب، إلى ترميم الردع الإقليمي لإسرائيل وتثبيت موقعه المتزعزع داخليًا، فإن الوقائع الميدانية وحسابات الكلفة الباهظة لأي أزمة جديدة تشير إلى أن مستقبل هذا المسار بات أكثر من أي وقت مضى مرهونًا بقرار واشنطن تجنّب التوترات غير القابلة للسيطرة، ووضع إطار واضح لدورها في الشرق الأوسط.



