إغلاق الممر الأفغاني يخنق صادرات باكستان
كشفت تطورات الصراع بين باكستان وأفغانستان عن تبعات اقتصادية وتجارية متزايدة، تمثلت في خسارة الصادرات الباكستانية أسواقاً حيوية في أفغانستان ودول آسيا الوسطى.

ميدل ايست نيوز: كشفت تطورات الصراع بين باكستان وأفغانستان عن تبعات اقتصادية وتجارية متزايدة، تمثلت في خسارة الصادرات الباكستانية أسواقاً حيوية في أفغانستان ودول آسيا الوسطى. فإلى جانب كونها سوقاً كبيراً ومربحاً للمنتجات الباكستانية، كانت أفغانستان تمثل ممراً استراتيجياً لا غنى عنه لإيصال الصادرات الباكستانية إلى دول آسيا الوسطى، واستيراد السلع منها، عبر شبكة واسعة من الطرق البرية التي تربط باكستان بأفغانستان ومنها إلى عمق آسيا الوسطى. ومنذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، توقفت التجارة بين البلدين بشكل شبه كامل، بعد أن أغلقت إسلام أباد جميع المنافذ الحدودية، مبررة ذلك باتهام كابول بانتهاك السيادة الباكستانية ودعم جماعات مسلحة معارضة.
هذا الإغلاق لم يقتصر أثره على السوق الأفغاني فحسب، بل أدى أيضاً إلى شلل شبه كامل في التجارة بين باكستان ودول آسيا الوسطى، نتيجة إغلاق الممر الأفغاني وغياب بدائل عملية بسبب ارتفاع التكلفة وطول المسارات البديلة. ومع فشل المحاولات الرسمية المتكررة لإعادة فتح المعابر، برز حراك شعبي واقتصادي داخل باكستان تقوده نقابات التجار والمستثمرين والمزارعين، ممن كانوا يعتمدون على هذا المسار التجاري. وهدف هذا الحراك إلى الضغط على الحكومتين لفتح الحدود واستئناف التبادل التجاري، في ظل خسائر متراكمة تعانيها باكستان على عدة مستويات، إذ فقدت السوق الأفغاني لصالح منافسين إقليميين مثل إيران والهند، وتراجعت مكانتها في أسواق آسيا الوسطى، فضلاً عن حرمان آلاف العاملين من مصادر دخلهم.
انقلاب المعادلة
وخلال الأسابيع الماضية، اكتسب هذا الحراك زخماً أكبر عبر اجتماعات واحتجاجات على الطرق الرئيسية، غير أن تأثيره ظل محدوداً، في ظل تغير موازين القوة. ففي السابق، كانت أفغانستان تضغط لفتح المعابر لاعتمادها الكبير على المنتجات الباكستانية، أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، إذ باتت إسلام أباد هي الطرف الساعي لإعادة فتح الحدود، في حين ترفض كابول بعد أن نجحت في إيجاد بدائل عبر إيران وممرات أخرى، بينما لم تتمكن إسلام أباد من إيجاد أسواق بديلة أو مسارات مستقرة لصادراتها. في هذا السياق، يقول التاجر الباكستاني عبد الوهاب خان، أحد العاملين في تصدير البضائع إلى آسيا الوسطى، لـ”العربي الجديد”: “نشهد منذ أسابيع تحركات مكثفة من الحكومة ونقابات التجار وغرف التجارة لإقناع حكومة طالبان بإعادة فتح المعابر، وهذا وحده يعكس حجم التحول. في الماضي كانت أفغانستان تنتظر فتح الحدود، أما اليوم فقد وجدت بدائل، بينما نحن ما زلنا بلا سوق بديل أو طريق ثابت. استمرار هذا الوضع سيكلف الاقتصاد الباكستاني خسائر فادحة”.
ويؤكد خان أن الأزمة لا تقتصر على قطاع التجارة والنقل، بل تمتد إلى كل قطاعات الإنتاج. فمصانع المواد الغذائية والبلاستيك والمنسوجات تعمل حالياً بنصف طاقتها، واضطر بعضها إلى تقليص العمالة، لاعتمادها الكبير على السوق الأفغاني وأسواق آسيا الوسطى. كما يواجه المزارعون ضغوطاً حادة، إذ كانت منتجات مثل الفواكه الطازجة والمجففة، والأرز، والدقيق، والسكر، والإسمنت، والمواد البترولية الخفيفة تجد أسواقاً نشطة في كازاخستان وأوزبكستان وطاجكستان عبر الطريق الأفغاني، لكنها اليوم مكدسة في المخازن من دون أفق واضح للتصريف.
ويضيف أن أفغانستان نجحت في حماية تجارتها عبر إيجاد بدائل، بينما ما زالت باكستان عاجزة عن بناء مسار تجاري بديل مستقر، محذراً من أن استمرار الإغلاق سيحول الخسائر من اقتصادية إلى اجتماعية أوسع تمس آلاف العائلات.
المزارعون الأكثر تضرراً
من جانبه، يقول المزارع الباكستاني طلا محمد يوسف زاي من إقليم خيبر بختونخوا، والذي كان يصدر محاصيله إلى أفغانستان وأحياناً إلى آسيا الوسطى، إن المزارعين كانوا الأكثر تضرراً من إغلاق الحدود. وأوضح أن كثيراً من المحاصيل تلفت بسبب التأخير وارتفاع تكاليف التخزين، ما دفع بعض المزارعين إلى بيع منتجاتهم بأسعار متدنية أو إتلافها. وطالب المزارع الباكستاني حكومة بلاده بالعمل على فتح ممرات تجارية مستقرة وآمنة، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى خسارة المزارعين وعجزهم عن الاستمرار في الإنتاج. وتشير البيانات الرسمية الباكستانية إلى أن حجم التجارة مع أفغانستان ودول آسيا الوسطى بلغ نحو 1.92 مليار دولار في عام 2024، وواصل نموه مع بداية السنة المالية 2024 – 2025. وكانت أفغانستان الشريك التجاري الأكبر، بصادرات باكستانية بلغت 1.34 مليار دولار وواردات بقيمة 581 مليون دولار. كما برزت كازاخستان وأوزبكستان شريكين مهمين، في حين بقيت التجارة مع بقية دول الإقليم محدودة لكنها مستقرة.
ومع بداية عام 2025 وحتى نهاية أكتوبر، ارتفع إجمالي التجارة إلى نحو 2.41 مليار دولار، مع زيادة الصادرات إلى 1.77 مليار دولار والواردات إلى 641 مليون دولار. وفي العام الماضي أيضاً واصلت أفغانستان تصدر المشهد التجاري الإقليمي في ما يخص باكستان، إذ بلغت الصادرات إليها نحو 1.39 مليار دولار والواردات منها نحو 612 مليون دولار، بينما بلغت صادرات باكستان إلى كازاخستان نحو 250 مليون دولار، وإلى أوزبكستان نحو 91 مليون دولار. كما وصل حجم تجارة الترانزيت عبر الأراضي الباكستانية إلى نحو 410 ملايين دولار، في إشارة إلى أهمية الممرات الباكستانية عند دول المنطقة، قبل أن تأتي أزمة الحدود لتعرقل كل تلك العملية وتخيب آمال التجار في أفغانستان وباكستان معاً.
طرق التهريب لم تعد فعالة
قبل حكومة طالبان، كان جزء ملحوظ من المنتجات الباكستانية يدخل أفغانستان عبر طرق غير شرعية، وبذلك كان يتفادى التجار دفع الضرائب، ثم ينقل منها باسم منتجات أفغانية، أو حتى باكستانية، إلى دول آسيا الوسطى، فيما كان يستهلك جزء منها داخل أفغانستان. ومع وصول حكومة طالبان إلى الحكم عام 2021، سعت إلى القضاء على هذه الظاهرة، وكان الهدف تحصيل الضرائب من جهة، ومنع استيراد البضائع المحظورة، ولا سيما الأدوية، من جهة أخرى. ومع إغلاق الحدود بين الدولتين في أواخر أكتوبر الماضي، بدأ التجار الباكستانيون والأفغان يتجهون مجدداً إلى تلك الطرق، وفي الأيام الأولى وصلت بعض المنتجات الباكستانية إلى الأسواق الأفغانية، ومنها كانت تنقل إلى دول آسيا الوسطى أيضاً. غير أن الحكومة الأفغانية قررت لاحقاً التصدي نهائياً لهذه الظاهرة، وهو ما ألحق خسائر كبيرة بالتجار والمصدرين.
وأعلنت الحكومة الأفغانية، الأسبوع الماضي، أنها منذ إغلاق الحدود قامت بمصادرة 600 حافلة محملة بأنواع مختلفة من المنتجات الباكستانية التي تم تهريبها عبر طرق غير شرعية. واللافت أن جميع الحافلات المحملة بالأدوية يتم تفريغها ثم حرق تلك الأدوية. وتشارك في هذه العمليات القوات الحدودية، وإدارات الجمارك، وقوات وزارة الدفاع. وفي هذا السياق، أعلنت قوات وزارة الدفاع في ولاية هلمند جنوبي أفغانستان، في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، إحراق 26 حافلة وشاحنة محملة بالأدوية دخلت إلى مديرية بهرام تشه بولاية هلمند عبر طرق تهريب، حيث جرى تفريغها أولاً ثم إحراق محتوياتها. ونشرت الوزارة صوراً وتسجيلات مصورة لعملية الإحراق، مطالبة جميع أجهزة الدولة بالتعامل بحزم مع كل من ينتهك قوانين البلاد. وكانت هذه الطرق تشكل ذريعة أخرى يستخدمها التجار، غير أن “طالبان” تصدت لها بقوة بعد إغلاق الحدود.
وفي هذا الشأن، يقول التاجر الأفغاني في ولاية قندهار، نقيب الله مموزاي، لـ”العربي الجديد”: “خسرنا كثيراً جراء إغلاق الحدود، إذ كانت الأسواق الأفغانية تعتمد على المنتجات الباكستانية، وكنا – نحن التجار- نربح أيضاً من نقل هذه المنتجات إلى دول آسيا الوسطى. غير أن سياسات باكستان لم تكن محل اعتماد عندنا، إذ كانت تلحق بنا خسائر كل عام من خلال إغلاق الحدود بأدنى ذريعة، وكنا نعيش حالة من عدم اليقين. أما الآن فنحن نبحث عن بدائل ثابتة يمكن الاعتماد عليها، وهذا يتطلب صبراً، ومع الوقت ستتغير الأحوال. في المقابل، تخسر باكستان كثيراً، فقد خسرت سوق أفغانستان وأسواق آسيا الوسطى. وكانت عمليات تهريب البضائع ذريعة قوية بيد باكستان، إلا أن هذه العمليات توقفت الآن إلى حد كبير. ومن خلال التهريب كنا نخسر نحن أيضاً؛ إذ كانت الأدوية المحظورة تدخل البلاد، وكذلك البضائع من دون دفع الضرائب. نحن نرحب بسياسات الحكومة الأفغانية، وإن كنا قد تضررنا منها على المدى القصير”.
ما هي البدائل المتاحة؟
أما في ما يخص البدائل المتاحة أمام باكستان لإيصال صادراتها إلى دول آسيا الوسطى بعد تعثر الطريق عبر أفغانستان، فهي محدودة ومكلفة في الوقت ذاته. ويتمثل الخيار الأبرز في الممر الإيراني عبر ميناء بندر عباس وصولاً إلى آسيا الوسطى، غير أن هذا المسار أطول زمناً ويضاعف تكلفة الشحن والنقل مقارنة بالطريق البري عبر أفغانستان.
كما أن النقل البحري ثم البري عبر بحر قزوين، مروراً بدول مثل أذربيجان وكازاخستان، بات خياراً آخر، إلا أن تعقيداته اللوجستية كبيرة، ويعتمد على ترتيبات متعددة المراحل، ما يزيد من المخاطر والتكاليف. ومع غياب ممر بري مباشر وفعال، تبقى هذه البدائل حلولاً اضطرارية لا تستطيع توفير الميزة التنافسية والسعرية التي كانت تمنحها الطرق البرية عبر الأراضي الأفغانية. وفي المحصلة، تبدو الأزمة التجارية الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة باكستان على حماية أسواقها في أفغانستان ودول آسيا الوسطى، وسط تحديات كبيرة لا بد من تجاوزها أولاً، تمهيداً لإعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي.



