الصحافة الإيرانية: ما خلفيات تليين خطاب وزير الخارجية اللبناني تجاه إيران؟
دعا وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في مواقف بدت مختلفة عن السابق، إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين طهران وبيروت، مشدداً على أهمية بناء علاقات متوازنة مع إيران.

ميدل ايست نيوز: دعا وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في مواقف بدت مختلفة عن السابق، إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين طهران وبيروت، مشدداً على أهمية بناء علاقات متوازنة مع إيران على أساس احترام سيادة لبنان واستقلاله. وأكد أن التعاون الثنائي يجب أن يقتصر حصراً على الحكومتين والمؤسسات الرسمية والقانونية في البلدين. وتزامنت هذه المواقف مع بدء السفير اللبناني الجديد مهامه في إيران.
وجاءت هذه التطورات بعد تصريحات كان رجي قد أدلى بها الأسبوع الماضي، قال فيها إن إيران ليست عدواً للبنان، لكنه أشار إلى وجود مشكلات عميقة معها، متهماً طهران بدعم مالي مباشر لتنظيم مسلح داخل لبنان. هذا التحول في الخطاب طرح تساؤلات حول أسباب تغيير موقف وزير الخارجية اللبناني، وما إذا كان لذلك انعكاسات على مستقبل العلاقات بين إيران ولبنان.
وفي هذا الإطار، تناول محمد علي حسن نيا، الباحث في شؤون غرب آسيا، هذه المسألة في حديث مع صحيفة دنياي اقتصاد، وقال: فهم تصريحات رجي الأخيرة يتطلب العودة إلى خلفيته السياسية، إذ ينتمي وزير الخارجية اللبناني في حكومة نواف سلام إلى حزب القوات اللبنانية، الذي يتولى سمير جعجع وزوجته قيادته. كما شغل رجي سابقاً منصب مسؤول المكتب السياسي في الحزب، الذي يُعد من أكثر القوى تشدداً داخل معسكر 14 آذار، والمعارضة لمحور 8 آذار الذي يضم حزب الله وحركة أمل. إذن، مواقف رجي السابقة ضد إيران كانت طبيعية في هذا السياق، وجاءت انسجاماً مع توجهات جعجع وقيادة القوات اللبنانية وحزب الكتائب، وهو ما يفسر كثرة تصريحاته السابقة ضد حزب الله وإيران ومحور المقاومة.
وأوضح الباحث في شؤون غرب آسيا أن تصريحات رجي بلغت في بعض الأحيان مستوى غير دبلوماسي، لافتاً إلى تقارير تحدثت عن توجيه الرئيس اللبناني جوزف عون توبيخاً شديداً له خلال إحدى جلسات مجلس الوزراء. كما أشار إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام، رغم أن مواقفه لا تختلف كثيراً، اعترض أيضاً على تصريحات رجي ضد إيران، معتبراً أنها لا تندرج ضمن الأطر الدبلوماسية المتعارف عليها.
وأضاف حسن نيا أن مواقف وزير الخارجية اللبناني أثارت ردود فعل متباينة داخل البلاد، حيث رأى منتقدوه أنه لم يسبق لوزير خارجية لبناني أن تحدث بهذه الطريقة، ولا سيما في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف الدول. كما انتقدوا سلوكه الدبلوماسي، متسائلين عن سبب لقائه مسؤولين أميركيين مثل مورغان أورتاغوس أو توماس باراك في السفارة، في مقابل تعامله البارد مع وزير الخارجية الإيراني. واعتبر أن رجي، مقارنة بوزراء خارجية لبنانيين سابقين عُرفوا بخبرتهم، لم يلتزم بالقواعد الدبلوماسية في التعاطي مع إيران، بل تبنى مواقف سياسية واضحة.
وحول أسباب التغيير في لهجة وزير الخارجية اللبناني، رأى الخبير الإيراني أن رجي اضطر إلى تليين مواقفه في ظل الأجواء الجديدة والانتقادات التي وُجهت إليه. وأشار إلى أن هذا التحول تأثر أيضاً بالمناخ الإقليمي، ولا سيما قنوات التواصل بين حزب الله من جهة، والسعودية وإيران من جهة أخرى. ولفت إلى أن علي لاريجاني نقل مؤخراً رسالة من حزب الله إلى السعودية، ما أسهم في فتح مسار حوار دبلوماسي، كما قام عمار موسوي بزيارة إلى الرياض وعقد لقاءات مع مسؤولين سعوديين، معتبراً أن هذه التطورات كان لها دور في تعديل موقف رجي.
وأوضح أن وزير الخارجية اللبناني بات يدرك أن مناخاً دبلوماسياً جديداً يتشكل بين حزب الله والسعودية ودول إقليمية أخرى، ما دفعه إلى تخفيف حدة خطابه. لكنه شدد على أن هذه التصريحات لا يمكن اعتبارها تحولاً إيجابياً جوهرياً، بل تقتصر على التأكيد بأن العلاقات مع إيران ستُدار في أجواء إيجابية ومن دون تدخل. وأضاف أن قبول رجي بالسفير الإيراني الجديد في لبنان جاء أيضاً في سياق هذا المناخ التفاوضي، مشيراً إلى أن أحد مطالب حزب الله كان الحد من التصريحات الفئوية والسياسية داخل وزارة الخارجية اللبنانية. كما لفت إلى أن السعودية بدورها تراجعت نسبياً في مواقفها المعلنة بشأن ملف نزع السلاح.
وفي ما يتعلق بما إذا كانت بيروت تسعى فعلاً إلى إعادة تنظيم علاقتها مع طهران، قال حسن نيا إن ميزان القرار في لبنان لا يُقاس بمواقف وزير الخارجية أو حتى الوزارة نفسها، مؤكداً أن تنظيم العلاقات السياسية بين إيران ولبنان يتم في مراكز أخرى، مثل رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية أو عبر التفاهمات بين القوى السياسية. واعتبر أن رجي لا يشكل عنصراً حاسماً في المعادلة السياسية اللبنانية.
وفي ما يخص إمكانية إقامة علاقة مستقرة مع إيران من دون أخذ دور حزب الله في الاعتبار، شدد حسننيا على أن ذلك غير ممكن، مشبهاً لبنان بكعكة سلطة تتقاسمها أطراف متعددة، حيث تتمتع دول مثل السعودية وفرنسا والولايات المتحدة وقطر وإيران بنفوذ واضح. وأوضح أن حزب الله وحركة أمل يملكان ما لا يقل عن 30 إلى 35 في المئة من موازين القوة من حيث الثقل السكاني والمقاعد البرلمانية والتمثيل الوزاري، ولا يمكن تجاوزهما، تماماً كما لا يمكن تهميش الموارنة أو السنة أو الدروز.
وبشأن مستقبل العلاقات بين طهران وبيروت، قال حسن نيا إن ملامح هذا المستقبل واضحة، إذ إن دعم إيران لحزب الله في لبنان أمر ثابت وغير قابل للتراجع، لكنه رأى أن تحسين أجواء التفاعل والتعاون بين البلدين يبقى ممكناً. وأوضح أن لبنان شهد تقدماً كلما سادت أجواء الحوار وجلس اللاعبون الإقليميون والدوليون إلى طاولة واحدة، في حين أن السياسات الحالية، ولا سيما المقاربة الأميركية التي وصفها بالتجارية والتسلطية، تدفع البلاد نحو طريق مسدود قد يؤدي إلى شلل كامل.
وخلص الباحث الإيراني إلى أن مستقبل لبنان سيكون أفضل إذا توصلت القوى الإقليمية والدولية إلى تفاهمات مشتركة، ما سينعكس إيجاباً على علاقاته مع إيران أيضاً، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الانتخابات البرلمانية المرتقبة العام المقبل سيكون لها دور مهم في تحديد مسار الحكومة ومستقبل البلاد.



