الصحافة الإيرانية: رسالة دبلوماسية خفية في خضم الأزمة
يمكن قراءة المقال الأخير لعباس عراقجي بوصفه نصًا متعدد الطبقات، يتجاوز كونه مجرد موقف إعلامي ليحمل في طياته رسائل دبلوماسية وتحذيرات غير مباشرة بشأن المسار المقبل للأزمة.

ميدل ايست نيوز: أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بأن طهران لا تخشى المفاوضات الجدية من أجل التوصل إلى اتفاق عادل؛ مشدداً على أن بلاده ما زالت على استعداد لإبرام اتفاق يقوم على الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة، ويتضمن رفعاً للعقوبات بشكل ملموس وقابل للتحقق.
وكتب عراقجي، في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية، أنه اطّلع على وجود «استعداد غير مسبوق لدى أصدقاء مشتركين لإيران والولايات المتحدة، من اجل تسهيل الحوار وضمان التنفيذ الكامل والقابل للتحقق لأي نتائج يتم التوصل إليها عبر التفاوض»، معتبراً أن هذا المسار «واعد ومبعث على الأمل».
وأضاف، أن «الهجوم الإسرائيلي على الدبلوماسية الذي وقع في خضم المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة، لم يغيّر من موقف طهران»، مؤكداً بأن إيران لا تزال مستعدة للتوصل إلى اتفاق عادل يقوم على أسس الاحترام والمنفعة المتبادلة.
وشدد عراقجي على، أن «العالم يجب أن يدرك بأن الإيرانيين لن يتخلوا أبداً عن حقوقهم»، مذكّراً بأن هذه الحقوق «مكفولة لجميع الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتشمل الوصول إلى جميع جوانب التكنولوجيا النووية السلمية».
وتابع وزير الخارجية، «نحن لا نخشى المفاوضات الجدية من أجل التوصل إلى اتفاق منصف، لكن هذا الاتفاق يجب أن يتضمن رفعاً ملموساً وقابلاً للتحقق من العقوبات»؛ وأشار إلى أن «التطورات الإقليمية قد تتيح تنفيذ التفاهمات بطرق جديدة كلياً».
وجاء في مقال وزير الخارجية الإيراني، أن «الإدارة الأميركية تقف امام مفترق طرق اليوم؛ إما أن تواصل منح إسرائيل شيكاً على بياض من أموال دافعي الضرائب الأميركيين ومن رصيد الولايات المتحدة، أو أن تكون جزءاً من تحول جذري نحو مسار أفضل».
تلميح دبلوماسي غير مباشر
ويقول موقع آوش الإيراني، إنه يمكن قراءة المقال الأخير لعباس عراقجي بوصفه نصًا متعدد الطبقات، يتجاوز كونه مجرد موقف إعلامي ليحمل في طياته رسائل دبلوماسية وتحذيرات غير مباشرة بشأن المسار المقبل للأزمة. في القراءة الأولى، تكتسب مسألة توقيت نشر هذا المقال دلالة خاصة، إذ جاء متزامنًا مع زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه دونالد ترامب.
ففي أجواء تسعى فيها تل أبيب إلى تضخيم السرديات الأمنية وتصوير إيران بوصفها بؤرة التهديد ومصدر عدم الاستقرار، يمكن اعتبار هذا النص محاولة محسوبة لاحتواء التوتر، وتهدئة المناخ النفسي، ومنع تصاعد الأزمة؛ رسالة موجهة إلى الرأي العام الغربي مفادها أن طهران لم تتخلَّ عن لغة الدبلوماسية، وأنها ما زالت تسعى إلى اتفاق قائم على الاحترام المتبادل لا على المواجهة المكلفة.
أما على مستوى أعمق، فيمكن النظر إلى مقال عراقجي باعتباره امتدادًا لتقليد «الترميز الدبلوماسي» الذي اعتمده في مراحل مختلفة، سواء عبر المقالات أو المقابلات؛ أي السعي إلى إرسال إشارات غير مباشرة إلى الطرف المقابل بوجود نافذة محدودة للحوار. هذا الأسلوب، في السابق، حين لم تكن الموازنات القانونية والسياسية قد انقلبت بالكامل ضد إيران، كان يمكن اعتباره جزءًا من مبادرة نشطة. غير أن الفارق الجوهري اليوم يكمن في التحول البنيوي في البيئة التفاوضية نفسها.
فبعد تفعيل آلية الزناد وعودة قرارات مجلس الأمن، تغيّر ميدان اللعب بشكل ملحوظ. وفي مثل هذه الظروف، فإن مجرد توجيه رسائل ناعمة أو التأكيد على الاستعداد للتوصل إلى اتفاق، لا يعني بالضرورة فتح مسار تفاوضي.
وسواء اعتُبر هذا المقال محاولة لاحتواء الأزمة أو تمهيدًا لبدء حوار، فإن الواقع يشير إلى أن الفضاء الحالي أصبح أكثر اختلالًا من أي وقت مضى. فالمؤشرات تفيد إما بعدم تشكّل مفاوضات من الأساس، أو أنه في حال انطلاق أي حوار، فإن إطاره وأجندته سيُحددان، أكثر من السابق، من قبل واشنطن وحلفائها.
وفي هذا السياق، أسهمت التطورات الداخلية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية الأخيرة في إعادة تشكيل وزن وموقع طهران في المعادلات القائمة؛ إلى حد باتت فيه إيران، بدل أن تكون أحد الأطراف المحدِّدة لمسار التفاوض، معرضة لأن تتحول إلى «موضوع تفاوض».
والتحذير الكامن في هذا المشهد يتمثل في أن استمرار الدبلوماسية من دون إعادة تعريف الأدوات والأولويات، ومن دون إعادة ضبط العلاقة بين القوة الميدانية والحوار، قد يؤدي إلى تآكل موقع المساومة. ومن هنا، فإن نص عراقجي، رغم اتزانه من حيث اللغة الدبلوماسية وقابليته للدفاع، يذكّر على المستوى الاستراتيجي بضرورة أن تخضع الدبلوماسية في المرحلة الجديدة لإعادة ترتيب جادة، مع تجنب التفاؤل المكلف.



