الصحافة الإيرانية: كيف يقود التكامل اللوجستي أوراسيا نحو مركزية اقتصادية جديدة؟

ترسم الأنظمة البديلة مثل نظام نقل الرسائل المالية الروسي، ونظام الدفع بين البنوك الصيني، ونظام الدفع الخاص ببريكس، مستقبلًا أكثر استقلالية لاقتصادات المنطقة.

ميدل ايست نيوز: في وقت يتجه فيه النظام الاقتصادي العالمي نحو التعددية القطبية، تتحول أوراسيا إلى مركز جديد للتجارة والطاقة والابتكارات المالية؛ حيث تعيد حالة التكامل بين ممر الشمال–الجنوب ومبادرة الحزام والطريق، مع تموضع إيران ومشاركة روسيا والهند، رسم الخريطة الجيو-اقتصادية للقرن الحادي والعشرين.

وكتب مهدي سيف تبريزي، الخبير في شؤون أوراسيا، في مقال على موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أنه في عقد يشهد تحولات جوهرية في أنماط الجيو-اقتصاد العالمية، برزت أوراسيا بوصفها مركز الثقل الجديد للتجارة والطاقة والابتكار المالي. وتُعد مبادرة الحزام والطريق الصينية، إلى جانب ممر النقل الدولي الشمال–الجنوب، مشروعين محوريين لا يقتصر تأثيرهما على إعادة تعريف طرق التجارة، بل يجسدان صعود نظام اقتصادي متعدد الأقطاب. في هذا السياق، تؤدي العلاقات بين طهران وموسكو دورًا استراتيجيًا باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية لهذه التحولات، ومع مشاركة الهند يتشكل مثلث قوي للتعاون الإقليمي المستدام.

التكامل بدلًا من التنافس

غالبًا ما يُنظر إلى ممر الشمال–الجنوب ومبادرة الحزام والطريق الصينية باعتبارهما مسارين متنافسين، غير أن التطورات الأخيرة تكشف عن قدرة عالية على التكامل بين هذين المسارين التجاريين العالميين. يمتد ممر الشمال–الجنوب بطول يقارب 7200 كيلومتر، وهو مسار متعدد الوسائط يضم النقل البحري والسككي والبري، ويربط مومباي الهندية بمدينة سانت بطرسبورغ الروسية، عابرًا إيران بوصفها الحلقة الأهم في وصل شمال العالم بجنوبه. ويُسهم هذا الممر في خفض زمن النقل بنحو 40 في المئة والتكاليف بما يصل إلى 30 في المئة مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية مثل قناة السويس، وهو ما يكتسب أهمية مضاعفة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة.

وقد شهد ممر الشمال–الجنوب تقدمًا ملحوظًا في مجالات عدة. ففي ديسمبر 2025، اتفقت إيران وروسيا على تسريع تنفيذ هذا الممر الاستراتيجي، بما يشمل استكمال البنى التحتية الأساسية مثل سكة حديد رشت–آستارا. وكان العقد التنفيذي لإنشاء خط السكة بطول 162 كيلومترًا قد وُقع في يوليو 2023. ومن المقرر أن تنضم باكستان رسميًا إلى الممر بحلول مارس القادم، حيث انطلق أول قطار شحن من كراتشي إلى زاهدان. ومع ذلك، لا تزال تحديات من بينها العوائق البنيوية في آسيا الوسطى قائمة، لكنها تشهد معالجة تدريجية عبر جهود مشتركة. لا يقتصر دور هذا الممر على تسهيل التجارة، بل يسهم أيضًا في ربط الاقتصادات الناشئة، وخلق فرص عمل مستدامة لدول المنطقة، وتحسين مستوى رفاه المجتمعات المحلية.

في المقابل، ربطت مبادرة الحزام والطريق الصينية، عبر استثمارات ضخمة، أكثر من 150 دولة، وسجلت في النصف الأول من عام 2025 عقود إنشاء بقيمة 66.2 مليار دولار واستثمارات بلغت 57.1 مليار دولار. وبلغ حجم المبادرة في عام 2024 نحو 122 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 27 في المئة. وتركز المبادرة على المحور الشرقي–الغربي للعالم، وتدفع بمشاريع مثل سكة حديد الصين–قيرغيزستان–أوزبكستان. ويتيح التداخل بين ممر الشمال–الجنوب ومبادرة الحزام والطريق، ولا سيما في آسيا الوسطى، فرصًا واسعة للتكامل؛ إذ يمكن، على سبيل المثال، ربط ميناء تشابهار الإيراني في إطار ممر الشمال–الجنوب بميناء غوادر الباكستاني ضمن مبادرة الحزام والطريق، بما يفضي إلى إنشاء شبكة فعالة للتجارة الأوراسية.

ومن أبرز مظاهر هذا التكامل العلاقات بين طهران وموسكو، التي يمكن اعتبارها نموذجًا للتعاون القائم على المصالح المشتركة. فالاستثمار المشترك في ممر الشمال–الجنوب لا يقلل الاعتماد على المسارات البحرية عالية المخاطر فحسب، بل يعزز أيضًا نموذجًا تنمويًا شاملًا قائمًا على المنفعة المتبادلة. ومن شأن استكمال الممر بحلول عامي 2026 أو 2027 أن يرفع حجم التجارة إلى أكثر من 30 مليون طن سنويًا، ويكرس دور إيران بوصفها جسرًا محوريًا بين الجنوب والشمال.

مثلث قوي يركز على حجم التبادل

بلغ التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية بين إيران وروسيا والهند مستويات غير مسبوقة من حيث حجم التبادل رغم العقوبات الغربية. فقد أُبرم اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين طهران وموسكو في يناير 2025، ودخل حيز التنفيذ في أكتوبر، موفرًا إطارًا للتعاون طويل الأمد. ووصل حجم التجارة الثنائية بين إيران وروسيا خلال عامي 2024 و2025 إلى نحو 5 مليارات دولار، فيما ارتفعت الصادرات غير النفطية الإيرانية إلى روسيا إلى 2.1 مليار دولار بنهاية الفترة نفسها. وسجلت هذه الأرقام نموًا بنسبة 35 في المئة خلال فصلي الربيع والصيف. وبلغ حجم التجارة غير الهيدروكربونية في النصف الأول من عام 2025 نحو 87.2 مليون طن، شملت تبادل الغاز والنفط والتوربينات وغيرها من السلع. ويُعزى هذا النمو إلى تنفيذ اتفاق التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي أسهم في خفض تكاليف الخدمات اللوجستية وتوسيع الوصول إلى الأسواق.

وتؤدي الهند دورًا محوريًا في هذا المثلث. فقد بلغ حجم التجارة بين روسيا والهند في السنة المالية 2024–2025 مستوى قياسيًا قدره 68.7 مليار دولار، أي ما يعادل سبعة أضعاف ما كان عليه قبل خمس سنوات، ما يجعل هدف الوصول إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 هدفًا واقعيًا، كما جرى التأكيد عليه خلال لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في نيودلهي. وأسهمت واردات الهند من النفط الروسي، رغم الرسوم والعقوبات الأمريكية، في تحقيق وفر قدره 7 مليارات دولار، ورفعت قيمة الواردات الشهرية من النفط في يونيو 2025 إلى 4.7 مليارات دولار.

كما يشهد التبادل التجاري بين إيران والهند مسارًا تصاعديًا. فقد بلغت الصادرات غير النفطية الإيرانية إلى الهند حتى منتصف عام 2025 نحو 1.8 مليار دولار، في حين سجلت الهند فائضًا تجاريًا بقيمة 760 مليون دولار في السنة المالية 2024–2025. ووصل إجمالي التجارة الثنائية بين طهران ونيودلهي إلى نحو ملياري دولار بحلول أواخر 2025، مع تركيز على سلع مثل المنتجات الزراعية والتقنيات.

وتتيح بنية ممر الشمال–الجنوب، المدعومة بقرض روسي بقيمة 1.6 مليار دولار واستثمارات هندية في ميناء تشابهار، رفع القدرة الاستيعابية للتجارة إلى 30 مليون طن. ويمكن للتعاون الثلاثي بين طهران وموسكو ونيودلهي أن يشمل أبعادًا إنسانية، من بينها الحد من تقلبات الأسعار، وخلق فرص العمل، وحماية المجتمعات من تداعيات الأزمات العالمية. وقد أدت العقوبات الغربية إلى ابتكارات مثل المقايضة واستخدام العملات الوطنية، ما جعل هذا المثلث نموذجًا لشراكة أكثر عدالة.

رقمنة التجارة

تعيد رقمنة التجارة الإقليمية، مع التركيز على أنظمة بديلة لسويفت، توزيع القوة باتجاه المجتمعات وتؤسس لهياكل مستقلة وأكثر كفاءة. بعد خروج إيران من نظام سويفت في عام 2018، انضمت إلى نظام نقل الرسائل المالية الروسي ونظام الدفع بين البنوك الصيني، ما سهل المعاملات العابرة للحدود لأكثر من 700 بنك. ويعالج نظام الدفع الصيني سنويًا أكثر من 12 تريليون دولار، ويوفر مزايا تشمل مستوى أعلى من الأمان وسرعة أكبر وتكاليف أقل، رغم أنه لا يزال أصغر حجمًا من سويفت من حيث التنافسية.

وتتجه روسيا والهند وإيران، في إطار مجموعة بريكس، إلى إطلاق نظام الدفع الخاص بالمجموعة، وهو نظام لامركزي قائم على تقنية البلوك تشين يهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار وسويفت. وتشارك إيران بوصفها عضوًا جديدًا منذ عام 2024، إلى جانب روسيا والهند كعضوين مؤسسين، وقد جرى التأكيد على هذا التوجه خلال قمة عام 2025. وتشمل مزايا هذا النظام تسهيل المعاملات، وتقليل مخاطر العقوبات، وتوسيع التجارة بالعملات المحلية، وتعزيز مسار التخلي عن الدولار في تسوية المدفوعات، بما قد يخفض التكاليف بنحو 30 في المئة. كما أسهم دخول المعاهدة التجارية بين طهران وموسكو حيز التنفيذ في أكتوبر في مضاعفة تسويات الروبل–الريال وتعزيز التجارة الثنائية، فيما تستفيد الهند من التركيز على الروبية في واردات الطاقة.

وقد حولت هذه التطورات العقوبات إلى فرصة للابتكار، وأسهمت في توسيع التجارة بين الدول الثلاث. ومع تنامي قطاع التكنولوجيا المالية في المناطق الحرة، تمتلك إيران القدرة على التحول إلى جسر رقمي لآسيا الوسطى، بما يوفر استقرارًا اقتصاديًا وإتاحة متكافئة للشركات الصغيرة.

خلاصة

تعكس الجغرافيا الاقتصادية الجديدة لأوراسيا صورة واضحة للتكامل والقدرة على الصمود والابتكار. فقد فتح ممر الشمال–الجنوب ومبادرة الحزام والطريق، بما تضمنته من تفاصيل فنية وتقدم ملموس، مسارات جديدة للتجارة الإقليمية والعالمية. وتظهر أحجام التبادل بين إيران وروسيا ومحور موسكو–نيودلهي الإمكانات الكبيرة لهذا التقارب في أوراسيا. كما ترسم الأنظمة البديلة مثل نظام نقل الرسائل المالية الروسي، ونظام الدفع بين البنوك الصيني، ونظام الدفع الخاص ببريكس، مستقبلًا أكثر استقلالية لاقتصادات المنطقة من خلال خفض التكاليف وتقليل الاعتماد على البنى التقليدية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى