من العزلة إلى الشراكة: كيف أعاد تعدد الأقطاب رسم العلاقات بين دول مجلس التعاون وآسيا الوسطى

أدت التطورات المختلفة منذ عام 2017 وحتى اليوم إلى تعزيز ملحوظ في العلاقات بين الدول العربية في مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى، وإلى نمو عام في حجم التجارة والاستثمارات الثنائية بين الجانبين.

ميدل ايست نيوز: لطالما كانت منطقة الخليج وآسيا الوسطى منطقتان في مرحلة ما متباعدتين تحت تأثير العزلة التي أعقبت الحرب الباردة، لكنهما تشهدان اليوم تسارعًا لافتًا في نسج شبكة جديدة من الروابط الاقتصادية والجيوسياسية. ويُظهر تقرير تحليلي حديث كيف أن الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، إلى جانب سعي الدول النفطية إلى تنويع اقتصاداتها، أسهما في تعزيز التعاون المؤسسي في مجالات التجارة والاستثمار والربط، بما غيّر نمط التفاعل في أوراسيا.

وأصدر مركز «المصالح الوطنية»، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، أحدث تقاريره الذي يتناول تطورات العلاقات بين الدول العربية المطلة على الخليج وإيران ودول آسيا الوسطى.

ويحلل التقرير، الذي أعده الباحثان غريغ وإلفيرا آيدارخانوفا بريتي، تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة أعادت تشكيل الروابط بين هذه المناطق، من مرحلة العزلة التي أعقبت الحرب الباردة وصولًا إلى التعاون المؤسسي الحالي في مجالات مثل التجارة والاستثمار والبنى التحتية للاتصال.

ويأتي هذا التقرير ضمن مشروع «الربط في آسيا الوسطى» التابع لمركز «المصالح الوطنية»، ويقدم تحليلات ورؤى عملية لصانعي السياسات، موضحًا كيف يدفع تعدد الأقطاب في النظام الدولي وتنويع الاقتصادات إلى ظهور أشكال جديدة من التفاعل في مختلف أنحاء أوراسيا.

ووفقًا للتقرير، مرت العلاقات بين الدول العربية في الخليج، وإيران، ودول آسيا الوسطى خلال العقود الأربعة الماضية بمرحلتين رئيسيتين من التحول. ففي بدايات هذه الفترة، وتحديدًا في أواخر الحرب الباردة، كانت الروابط بين آسيا الوسطى ودول الخليج محدودة للغاية. أما اليوم، فقد تشكلت علاقات إقليمية أقوى بين هذه الدول، شملت توسع التبادل التجاري، وتعزيز الروابط الثقافية، وتعميق شبكات النقل والاتصال.

أما التحول الأول فتمثل أساسًا في إزالة حاجز مصطنع كان قد فصل آسيا الوسطى عن بقية العالم الإسلامي نتيجة الهيمنة السوفيتية ثم الروسية. وبعد استقلال دول آسيا الوسطى عام 1991، ظلت روسيا لاعبًا خارجيًا مهيمنًا في المنطقة، في حين لعبت إيران الثورية دورًا مهمًا ركز في الغالب على إنشاء أو تعزيز الروابط الاقتصادية. كما بدأت دول الخليج تدريجيًا في بناء علاقات اتسمت بمستويات متواضعة من المساعدات المالية الثنائية والتبادل التجاري.

وخلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، أنشأت السعودية أوسع شبكة علاقات إقليمية، وسعت إلى ربط آسيا الوسطى بالعالم الإسلامي السني من خلال تمويل بناء المساجد ودعم رحلات الحج. ومع ذلك، بقيت الروابط التجارية محدودة جدًا، ولم تتجاوز قيمتها السنوية ملايين الدولارات. ويعود ذلك جزئيًا إلى غياب التكامل الاقتصادي، إذ إن معظم هذه الدول كانت في الأساس مُصدّرة لمصادر الطاقة والمواد الخام، لا للسلع المصنعة.

أما التحول الثاني، وهو الأحدث، فكان عميقًا بالقدر نفسه، ويرتبط بعاملين رئيسيين:

أولًا، التوجه نحو نظام جيوسياسي أكثر تعددًا للأقطاب، وهو ما برز مع انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011، والانحسار التدريجي للحرب في أفغانستان وصولًا إلى الانسحاب الأميركي الكامل عام 2021، وتنامي الثقل الاقتصادي والجيوسياسي للصين، إلى جانب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

ثانيًا، توجه دول الخليج نحو تنويع اقتصاداتها وتقليص اعتمادها التدريجي على عائدات النفط والغاز، في ظل التحول العالمي في مجال الطاقة وتوقعات تراجع نمو الطلب العالمي على النفط.

وقد أسهم هذان العاملان في تعزيز الرغبة المتبادلة في توطيد الروابط بين الخليج وآسيا الوسطى، إذ يسعى الطرفان إلى بناء شبكة متنوعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية، وتنويع اقتصاداتهما للحد من الاعتماد على تصدير المواد الخام، وتعزيز الربط والاتصال بوصفه عاملًا يوسع خيارات الوصول والفرص الاستراتيجية.

ورغم أن هذه التحولات جاءت تدريجيًا، فإن نقطة التحول الأبرز تمثلت في التطورات الداخلية التي شهدتها السعودية عام 2017، مع صعود محمد بن سلمان إلى موقع القيادة. فقد أحدث بن سلمان تغييرًا لافتًا عبر جعل برنامج «رؤية 2030» لتنويع الاقتصاد محورًا أساسيًا للسياسات، واعتماد نهج أكثر حزمًا وتنافسية في الدبلوماسية. وأدى هذا التحول في السعودية بدوره إلى دفع دولتين بارزتين أخريين في مجلس التعاون، هما الإمارات وقطر، إلى السعي لإقامة علاقات أقوى مع آسيا الوسطى في إطار التنافس على النفوذ.

وكما يوضح التقرير، فقد أدت هذه الاتجاهات منذ عام 2017 وحتى اليوم إلى تعزيز ملحوظ في العلاقات بين الدول العربية في الخليج ودول آسيا الوسطى، وإلى نمو عام في حجم التجارة والاستثمارات الثنائية بين الجانبين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى