إيران تنهي دعم الدولار المدعوم: إصلاح اقتصادي أم مجازفة اجتماعية؟

إن إنهاء الدعم على عملة الاستيراد العملة لا يعني مجرد حذف رقم من لوحة السياسات الاقتصادية؛ بل هو اختبار جدي لحكومة بزشكيان.

ميدل ايست نيوز: تعد تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول إيقاف الدعم على عملة الاستيراد من أبرز الإشارات الاقتصادية الصادرة عن الحكومة الإيرانية الجديدة؛ وهو قرار أُعلن بهدف الحد من الريع والفساد، لكنه في الوقت نفسه أثار تساؤلات جدية بشأن تداعياته على الأسعار، ومعيشة الإيرانيين، ومسار الإصلاحات الاقتصادية.

وأعلن بزشكيان أن حكومته لن تمنح بعد الآن الدولار بسعر منخفض يبلغ 28 ألفًا و500 تومان لأي جهة. وقال قبل ساعات خلال اجتماع حضره ناشطون سياسيون واجتماعيون في محافظة جهار محال وبختياري، إن المستفيدين حاليًا من العملة التفضيلية «يستفيدون من الريع»، مضيفًا: «كل من يحصل على دولار بسعر 28 ألف تومان أو 70 ألف تومان، فإنه يستفيد من الريع». وأوضح أنه لمعالجة المشكلات، سيتم «نقل العملة الحكومية من سلسلة الإنتاج إلى نهايتها، ودفع الدعم مباشرة إلى المستهلك النهائي».

من جهته، أكد عبد الناصر همتي، المحافظ الجديد للبنك المركزي الإيراني، خلال مؤتمره الصحفي يوم الأربعاء، ضرورة إصلاح النظام النقدي، مشيرًا إلى أن «هناك خطة لجمع الريع الناجم عن تعدد أسعار الصرف تدريجيًا، وهو بحد ذاته أحد أسباب الاختلالات القائمة».

وبعد مرور 24 ساعة على التعيين الرسمي لعبد الناصر همتي محافظًا للبنك المركزي، أعلنت الحكومة عن حذف العملة الأجنبية المدعومة، المعروفة أيضًا باسم «عملة جهانغيري». وجاء خبر تغيير رئيس البنك المركزي بالتزامن مع احتجاجات على ارتفاع سعر الصرف وتفاقم الغلاء. وكان همتي قد قال عقب تعيينه: «سنقضي حتمًا على منظومة الفساد والريع الناجمة عن تعدد أسعار الصرف».

من أين جاءت العملة المدعومة؟

يقول موقع رويداد 24، إن العملة التفضيلية بسعر 28 ألفًا و500 تومان تشكلت في إطار سياسات تعدد أسعار الصرف؛ وهي سياسة كان هدفها الأساسي تأمين السلع الأساسية بأسعار أقل، والحد من الضغوط التضخمية على الأسر الإيرانية. ويُقال إن تحديد هذا السعر جاء باقتراح من إسحاق جهانغيري. بناءً على هذا، كانت حكومة روحاني تخصص جزءًا من مواردها من العملات الأجنبية بسعر أدنى من سعر السوق الحرة للمستوردين، بهدف وصول السلع إلى المستهلك بأسعار أقل. غير أن تجربة السنوات الأخيرة أظهرت أن الفجوة بين السعر التفضيلي وسعر السوق الحرة تحولت، بدل أن تكون في مصلحة المواطنين، إلى فرصة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

واليوم، يعلن بزشكيان بشكل واضح أن استمرار تخصيص العملة أدى إلى الريع والفساد، وهي خلاصة يؤكدها العديد من الاقتصاديين أيضًا. فعندما يحصل مستورد على العملة بسعر تفضيلي، ثم يبيع السلع المستوردة بأسعار قريبة من السوق الحرة، فإن الدعم النقدي يذهب عمليًا إلى جيوب الوسطاء، لا إلى موائد المواطنين. كما أن غياب الشفافية وضعف الرقابة وتعدد الجهات المعنية باتخاذ القرار، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ هذه الحلقة المعيبة.

قرار بزشكيان؛ إصلاح هيكلي أم مخاطرة سياسية؟

يمكن اعتبار حذف الدعم على عملة الاستيراد في إيران مؤشرًا على توجه حكومة بزشكيان نحو إصلاحات هيكلية؛ إصلاحات جرى تأجيلها لسنوات بسبب كلفتها الاجتماعية والسياسية. فرغم أن التوحيد النسبي لسعر الصرف قد يؤدي على المدى القصير إلى ارتفاع أسعار بعض السلع، فإنه على المدى الطويل يعزز القدرة على التخطيط الاقتصادي، ويحد من الفساد، ويرفع مستوى الشفافية المالية. ومع ذلك، فإن تنفيذ مثل هذا القرار من دون حزم دعم مرافقة قد يؤدي إلى تصاعد حالة السخط الشعبي.

ويتمثل القلق الأبرز المرتبط بإلغاء العملة التفضيلية في تأثيره على أسعار السلع الأساسية. فقد أظهرت تجربة إلغاء العملة بسعر 4200 تومان أنه في حال عدم تطبيق سياسات تعويضية فعالة، فإن الضغوط التضخمية تنتقل مباشرة إلى الشرائح ذات الدخل المحدود. واليوم يبرز السؤال مجددًا حول ما إذا كانت الحكومة تمتلك خطة واضحة لدعم المستهلكين بشكل موجه أم لا. ويُعد تقديم الدعم النقدي، أو القسائم التموينية، أو دعم الإنتاج المحلي، من بين الخيارات القادرة على تخفيف الصدمة السعرية.

ومن منظور الفاعلين الاقتصاديين، قد تتمثل الرسالة الأساسية لقرار بزشكيان في تقليص حالة عدم اليقين. فوجود عدة أسعار للصرف يُعد أحد الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار في الأسواق. إن إلغاء أحد الأسعار التفضيلية، إذا ترافق مع سياسة نقدية واضحة ومستقرة، يمكن أن يعزز قدرًا من الثقة بصانع القرار. أما إذا نُفذ القرار بشكل مؤقت ومن دون خريطة طريق واضحة، فإن خطر تصاعد التوقعات التضخمية سيظل قائمًا.

إن إنهاء الدعم على عملة الاستيراد العملة لا يعني مجرد حذف رقم من لوحة السياسات الاقتصادية؛ بل هو اختبار جدي لحكومة بزشكيان. اختبار يبين ما إذا كانت قادرة، في آن واحد، على مكافحة الريع والفساد وحماية معيشة المواطنين. فنجاح هذه السياسة لا يُقاس بإعلانها، بل بطريقة تنفيذها، وبمستوى الشفافية، وبقدرة الحكومة على كسب ثقة المجتمع والتفاعل معه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى