نداء ترامب الملغوم: تشجيع الاحتجاجات أم تمهيد لدوامة عنف تنتهي بتدخل خارجي؟
هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، في تعليقه على الاحتجاجات في إيران بأنه إذا أقدمت السلطات على إطلاق النار على المحتجّين وقتلهم فإن الولايات المتحدة "ستتدخل لإنقاذهم".

ميدل ايست نيوز: هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، في تعليقه على الاحتجاجات في إيران بأنه إذا أقدمت السلطات على إطلاق النار على المحتجّين وقتلهم فإن الولايات المتحدة “ستتدخل لإنقاذهم”، قبل أن يضيف: “نحن مستعدّون”.
وبغضّ النظر عن مدى انسجام ادعاء ترامب بشأن “إنقاذ” المحتجّين ودعمه لهم مع فكره وسلوكه وسجله السياسي، فإن هذه التصريحات، التي أتت بعد نحو أسبوع من اندلاع الاحتجاجات الداخلية في إيران، تبدو في جوهرها بمثابة “نداء” إلى الإيرانيين لتوسيع رقعة الاحتجاجات.
ويبدو أن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل تعتقدان أن شريحة واسعة من الساخطين في إيران صامتة وتمتنع عن النزول إلى الشارع خشية القمع، ومن هذا المنطلق يسعى ترامب، عبر التهديد بالتدخل، إلى التأثير في حسابات النظام الإيراني من جهة، ودفع القاعدة الصامتة من المحتقنين إلى الشوارع من جهة أخرى.
وقد تترك تصريحات ترامب أثراً غير متجانس؛ إذ قد تشجّع بعض المحتجّين وتمنحهم شعوراً بالدعم للنزول إلى الشوارع، في حين قد تُربك آخرين وتثنيهم عن الخروج أو الاستمرار في التظاهر، ولا سيما في ظل تزامنها مع المواقف الإسرائيلية. غير أنّ الأخطر من محاولة حثّ أعداد أكبر للخروج إلى الشارع، هو أن هذه التصريحات تشكّل تمهيداً لتدخل عسكري جديد في إيران، ولكن ليس عبر قصف المنشآت النووية أو العسكرية، بل من بوابة “دعم المحتجّين”.
من التهديد الأمريكي إلى الدعم الإسرائيلي الخفي: المشهد الدولي للاحتجاجات الإيرانية
إلا أن هذا النوع من التدخل يستدعي بالضرورة انزلاق الاحتجاجات إلى العنف واندلاع مواجهات دامية، ومن هذا المنظور يمكن توصيف نداء ترامب في جوهره بأنه دعوة إلى “اقتتال ومواجهة داخلية”، تمهّد لقيامه لاحقاً بدور “المنقذ” الذي يصدر قرار التدخل العسكري بذريعة حماية المحتجّين.
للوهلة الأولى، توحي تصريحات ترامب بأنه بات مقتنعاً بطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القائم على تغيير النظام الإيراني عبر دفع الأوضاع داخلياً إلى نقطة الانفجار. غير أن ذلك لا يعني التخلّي عن خيار الحرب؛ بل إن هذا المسار نفسه قد يمثّل سعياً أميركياً جديداً للتمهيد لحرب أخرى، وإن بصيغة مختلفة عمّا جرى في يونيو/ حزيران الماضي.
ففي حرب الأيام الـ12، كانت ذريعة المواجهة هي إزالة “التهديد النووي” عبر استهداف المنشآت النووية بهدف القضاء على البرنامج النووي الإيراني؛ إلا أنه ليس مستبعداً أن تكون كلٌّ من أميركا وإسرائيل قد خلصتا إلى قناعة مفادها أنه لا البرنامج النووي ولا البرنامج الصاروخي الإيراني يمكن القضاء عليهما عبر الحرب، وأن الخيار الوحيد المتبقّي هو “تغيير النظام”.
لكن في المقابل، يبدو أنهما توصّلتا أيضاً إلى أنّ هذا الهدف لا يمكن تحقيقه عبر احتجاجات بهذا المستوى وحده، بل يتطلّب مقاربة مركّبة تقوم على حثّ الإيرانيين على توسيع الاحتجاجات، بالتوازي مع تهيئة الأرضية لتدخل عسكري خارجي، على أن يكون تدخلاً لا ينتهي بحرب إقليمية شاملة باهظة الكلفة.
ومن المرجّح أن تهدف هذه التهيئة إلى تبرير تدخل يستهدف هذه المرة الشخصيات والمؤسسات السياسية والأمنية وقوات الأمن والشرطة وأركان الحكم، وليس فقط المنشآت والشخصيات العسكرية أو النووية. وقد يظنّ بعض أنصار “تغيير النظام” في إيران أن هذا الهدف سيتحقق بسهولة في ظل هذا النوع من الدعم الأميركي والإسرائيلي، وأن أوضاعاً “مأمولة” ستتشكل سريعاً.
غير أن قراءة أعمق استشرافاً للمستقبل، فضلاً عن التجربة التاريخية لنتائج التدخلات الخارجية في احتجاجات الدول، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين، تظهران بوضوح أن مثل هذه التدخلات العلنية والفجّة لا تخدم الاحتجاجات ولا المطالب المحقّة للمتظاهرين في إيران، ولا تساهم في تحسين الأوضاع، بل تزيدها تعقيداً، وإنها إن لم تعزّز الرواية الرسمية السائدة بما يساعد على ضبط الاحتجاجات وإنهائها سريعاً، فإنها ستؤسس لدوّامة من العنف المنفلت لا يستفيد منها أحد.



