الصحافة الإيرانية: الاحتجاجات في إيران تفتح اختباراً جديداً لعلاقة الدولة بالشعب

يقول محلل في الشؤون السياسية إن المؤشرات حتى الآن توحي بأن الحكومة الإيرانية حاولت على الأقل اعتماد مقاربة إيجابية تجاه احتجاجات الإيرانيين الحالية، وتسعى إلى الاستماع إلى صوت المحتجين.

ميدل ايست نيوز: في 28 ديسمبر الماضي اندلعت احتجاجات في إيران ذات طابع اقتصادي على خلفية الارتفاع غير المنضبط في سعر الصرف. في ساعاتها الأولى بعد ظهر يوم الأحد، بدأ باعة سوق الهواتف المحمولة في طهران تحركات احتجاجية انطلقت من وسط العاصمة، وتحديداً من شارع حافظ، حيث أقدم التجار على إغلاق محالهم، فيما تشكلت تجمعات احتجاجية أمام مجمعي «علاء الدين» و«تشارسو».

مع حلول اليوم التالي، اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل مناطق إضافية في طهران. ولم تقتصر التحركات على العاصمة، إذ شهدت الأيام الماضية احتجاجات متفرقة في عدد من المدن الإيرانية، من بينها همدان، وشيراز، ويزد، وكرمانشاه، والأهواز، وملارد، وفسا، وفولادشهر، وسبزوار، وغيرها.

وفي موازاة ذلك، انضم طلاب جامعيون من عدة جامعات إلى هذه التحركات، من بينها جامعة طهران، وجامعة شهيد بهشتي، وجامعة العلامة الطباطبائي، وجامعة خواجه نصير، وجامعة أميركبير، حيث شاركوا في الاحتجاجات إلى جانب المواطنين الإيرانيين، في مؤشر على اتساع قاعدة المشاركين وتنوعها.

أما ردود الفعل على هذه الاحتجاجات، فتشير التقارير ومقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى انتشار قوات الأمن للسيطرة على التجمعات. كما جرى، وفق تقارير غير رسمية، استخدام الغاز المسيل للدموع وتوقيف عدد من المحتجين. وفي بعض الحالات، أفاد تجار بتلقيهم اتصالات من اتحاداتهم تطالبهم بإعادة فتح المحال. ومع ذلك، سعت الحكومة منذ الساعات الأولى إلى إظهار موقف متعاطف مع المحتجين.

وكتب الرئيس مسعود بزشكيان على منصة «إكس» أن معيشة المواطنين تشكل هاجسه اليومي، مؤكداً أنه كلف وزير الداخلية بالتواصل مع ممثلي المحتجين والاستماع إلى مطالبهم، بما يضمن مساءلة الحكومة إزاء هذه القضايا.

من جانبها، أكدت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، في مؤتمر صحفي عقد بعد يوم من الاحتجاجات، أن الحكومة تعترف بالاحتجاجات وتعتبر رد فعل المواطنين على الأوضاع المعيشية والاقتصادية أمراً طبيعياً، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن الاحتجاج السلمي حق من حقوق المواطنة.

كذلك شدد جعفر قائم‌ بناه، مساعد الرئيس الإيراني في الشؤون التنفيذية، بعد اعتذاره للمواطنين بسبب معدل التضخم البالغ 40 في المئة، على ضرورة الاستماع إلى صوت الناس.

ويرى المحلل السياسي والصحفي عباس عبدي، في حديث لصحيفة «دنياي اقتصاد»، أن الطابع الاقتصادي والمدني للاحتجاجات لم يكن بلا تأثير على أسلوب تعامل الحكومة معها، لكنه أشار إلى أسباب أخرى لهذا النهج، قائلاً: «أحد الأسباب قد يكون أن هذه الاحتجاجات ذات طابع اقتصادي ومدني ولم تنزلق بعد إلى السياسة. ولهذا السبب كان الانطباع السائد أن مخاطَب هذه الاحتجاجات هو الحكومة أكثر من مجمل منظومة الحكم. وربما كان تغطية وسائل الإعلام الرسمية، مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون، نابعة من هذا الاعتبار أيضاً».

وأضاف عبدي أن «السبب الرئيسي للتعامل المتعاطف للحكومة الإيرانية مع المحتجين يعود إلى شعورها حيال ما يجري، إذ نظرت إليهم باعتبارهم معترضين لهم حق الاحتجاج، ولم تتخذ موقف الإنكار أو القمع. وقد أكد بزشكيان أكثر من مرة أنه لن يقف في مواجهة الناس. كما لم نشهد في الخطاب الرسمي للحكومة توصيف الاحتجاجات على أنها ’مؤامرة للعدو‘، وهو ما أسهم بطبيعة الحال في تهدئة الأجواء. وقد لاحظنا هذا النهج المتعاطف والمتابع أيضاً في حادثة إضرام شاب النار في نفسه في خوزستان. بزشكيان لم يأتِ لإشعال الصراعات أو الدخول في مواجهات، والأهم أنه لم يأتِ للبقاء في السلطة بأي ثمن، وهو أمر نادراً ما يُرى لدى السياسيين المحافظين. ومن المرجح أن يؤثر هذا السلوك الحكومي في بقية مؤسسات الحكم».

وعن التساؤل بشأن ما إذا كان ينبغي الفصل بين نهج الحكومة ونهج منظومة الحكم، واحتمال اللجوء إلى تعامل أكثر تشدداً في حال استمرار الاحتجاجات، قال المحلل السياسي: «لا نعرف بعد ما الذي تفكر به الأجنحة الأخرى غير الحكومة حيال هذه الاحتجاجات. لكن حتى الآن شهدنا سلوكاً متعاطفاً من جانب الحكومة. أما مسألة الفصل بين الحكومة ومنظومة الحكم، فيمكن القول نعم ولا في آن واحد. لا، لأن الحكومة تعمل ضمن هذه المنظومة ولا ينظر الناس إليها على أنها منفصلة عنها تماماً. ونعم، لأنه يمكن التمييز بينها باعتبار أن هذه الحكومة وصلت إلى السلطة عبر تصويت مباشر من المواطنين وبدعمهم في الانتخابات. مع ذلك، لا يمكن الجزم بعد بأن الاحتجاجات اقتصرت فقط على المسألة المعيشية، كما ينبغي التوقف عند تزامنها مع زيارة بنيامين نتنياهو إلى فلوريدا، وهو أمر يثير التساؤلات. صحيح أن بعض المدن شهدت شعارات ذات طابع سياسي، لكن القضية لم تُحسم بعد، ومن المبكر إصدار حكم نهائي».

وقال في الختام: رغم أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على كيفية التعامل مع احتجاجات المواطنين، وأن استمرارها أو تراجعها سيوفر صورة أوضح للتحليل، فإن المؤشرات حتى الآن توحي بأن الحكومة حاولت على الأقل اعتماد مقاربة إيجابية تجاه احتجاجات عام 2025، وتسعى إلى الاستماع إلى صوت المحتجين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى