الصحافة الإيرانية: فنزويلا واعتقال مادورو.. نموذج للتفاهم الجيوسياسي بين القوى الكبرى

للوهلة الأولى، قد يبدو لقاء الوفد الصيني مع مادورو قبل ساعات قليلة من العملية أمراً متناقضاً، لكنه في منطق التفاهمات الكبرى يشكّل تحديداً علامة «الوداع الأخير» لا الدعم.

ميدل ايست نيوز: ما جرى في فنزويلا واقتياد نيكولاس مادورو إلى الولايات المتحدة لا يُعد مؤشراً على «عودة الأحادية الأميركية» ولا مغامرة عابرة، بل يمثل نموذجاً كلاسيكياً وملموساً لتفاهم واسع النطاق ـ وإن كان مشروطاً وقابلاً للتبدل ـ بين القوى الكبرى حول تقاسم الأدوار الجيوسياسية. وفق هذا التصور، لا تُعد فنزويلا ملفاً مستقلاً، بل هي «أوكرانيا المعكوسة» أو «سوريا نصف الكرة الغربي»، حيث جرى تحديد اتجاه النتيجة قبل بدء الفعل.

الصمت الصيني والروسي… ليس هزيمة بل صفقة

للوهلة الأولى، قد يبدو لقاء الوفد الصيني مع مادورو قبل ساعات قليلة من العملية أمراً متناقضاً، لكنه في منطق التفاهمات الكبرى يشكّل تحديداً علامة «الوداع الأخير» لا الدعم. كما حدث في سوريا، حيث بدت روسيا حتى اللحظات الأخيرة وكأنها تقف إلى جانب بشار الأسد، فيما كانت في الوقت نفسه تُبقي قنواتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة مفتوحة، حافظت الصين وروسيا هنا أيضاً على حضور رمزي لتفادي كلفة معنوية، من دون الدخول في تحمّل كلفة حقيقية ورادعة للحفاظ على مادورو.

من هذا المنطلق، فإن بقاء منظومات إس-300 غير مفعّلة لا يُعد مجرد خلل فني أو مفاجأة عملياتية، بل هو في المقام الأول نموذج لـ«صمت متفق عليه أو على الأقل مقبول»؛ حالة تتوافر فيها أدوات الدفاع، لكنها غير معنية بالعمل في اللحظة الحاسمة.

الصفقة الكبرى: أوكرانيا، تايوان، أميركا الجنوبية

إن صمت الولايات المتحدة إزاء المناورات غير المسبوقة التي أجرتها الصين حول تايوان، بالتوازي مع التحول التدريجي في ميزان الميدان في الحرب الأوكرانية لمصلحة روسيا، ليسا حدثين منفصلين ولا عشوائيين. نحن اليوم أمام نمط بنيوي شبه متماسك، وإن لم يكن مثبتاً بشكل نهائي أو غير قابل للتراجع يتخلص فيما يلي:

  • روسيا: امتلاك اليد العليا في أوكرانيا، وتثبيت نسبي لعمقها الأمني والجيوسياسي في أوراسيا.
  • الصين: هامش حركة تدريجي ومنضبط في ملف تايوان، من دون استفزاز مباشر ومكلف لواشنطن.
  • الولايات المتحدة: استعادة سريعة وحاسمة ومنخفضة الكلفة لـ«نصف الكرة الغربي» بوصفه مجالاً حيوياً.

وهذا بالضبط ما يمكن اعتباره تطبيق المرحلة الأولى من وثيقة الأمن القومي الأميركي: التركيز على البقاء لا على الهيبة، والتركيز على المجال الحيوي لا على الطموح العالمي.

فنزويلا… إعلان رسمي لنهاية «العالم السائل»

يحمل اقتياد مادورو بالمروحية إلى الولايات المتحدة من دون اشتباكات ومن دون إدانة جدية أو رد عسكري من روسيا، وحتى من دون بيان حاد من الصين، يحمل رسالة واضحة: عصر المناطق الرمادية، على الأقل على مستوى قرارات القوى الكبرى، يقترب من نهايته.

في العالم الفوضوي الراهن، بات لكل منطقة على نحو متزايد خريطة تفاهم متفقاً عليها ولكنها ديناميكية بين القوى الثلاث الكبرى؛ خريطة لا تُرسم على أساس المعايير، بل وفق المصالح الحيوية والحسابات المتغيرة. هذا الوضع لا يعني عودة إلى الحرب الباردة الكلاسيكية، ولا تحقيق حلم عالم متعدد الأقطاب بلا ضوابط، بل يمثل دخولاً في بنية تُقسّم فيها القوى الكبرى الأدوار قبل الصدام، وإن كانت هذه القسمة غير نهائية ولا تخلو من الاحتكاك. والمنطق نفسه الذي أتاح سقوط دمشق من دون مواجهة مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة، أثبت هنا أيضاً رغم الاختلافات فاعليته.

لماذا هذا مجرد بداية

إذا جرى اعتماد هذا الإطار التحليلي، فإن المسار المقبل يمكن رسمه على النحو الآتي:

  • تثبيت نطاق النفوذ الأميركي في نصف الكرة الخاص بها، من الساحل إلى الساحل ومن القطب إلى القطب، وهو مسار بدأ بالفعل ونُفّذت بعض مراحله؛
  • احتواء اللاعبين «غير القابلين للتنبؤ» الذين قد يخلّون بتوازن التفاهمات الكبرى؛
  • فرض أنظمة إقليمية أكثر صرامة، مع أدنى حضور مباشر للولايات المتحدة وأقصى تفويض للحلفاء والوكلاء.

وفي هذا السياق، لا تدخل الولايات المتحدة في حرب مع الصين أو روسيا، بل تسعى، استناداً إلى تفاهم مسبق ومشروط، إلى ضبط حالة الفوضى الممتدة منذ عقود. وما جرى في كراكاس ـ كما في سوريا، وحتى في الصعود المفاجئ واللافت لزعيم داعشي، أو التطورات العسكرية المحيطة بتايوان ـ لم يكن هزيمة لروسيا، ولا تراجعاً للصين، ولا مغامرة شخصية من ترامب، بل كان تنفيذاً مخططاً له منخفض الكلفة ومتفقاً عليه إلى حد بعيد بين القوى الكبرى، مع «رسالة واضحة»: العالم عاد ليملك خريطة لكن خطوطها وإن رُسمت خلف الأبواب المغلقة تظل خاضعة للتوازن والحساب وإمكانية إعادة الرسم.

والتحذير الكبير مفاده أن الضغوط التدريجية المستنزفة وغالباً غير المعلنة، ستعمل على «ضبط» سلوك اللاعبين المتبقين. في هذه المرحلة، لا يتشكل هجوم مفاجئ، بل «انزلاق تدريجي نحو موقع قابل للتفاوض»، حيث يمكن للتأخير في القرار، وغموض الاستراتيجية، وسوء قراءة الصمت، أن يحوّل أي ملف من «موضوع تفاوض» إلى «موضوع اتفاق الآخرين».

حميد أبو طالبي
دبلوماسي سابق ومستشار سياسي للرئيس الإيراني الأسبق

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى