رسائل كاركاس للشرق الأوسط.. هل تُخضع واشنطن جميع خصومها؟

لا تبدو عملية فنزويلا، مجرد تطور أمني عابر، بل تحوّلت إلى رسالة أمريكية قاسية تعكس انتقال واشنطن من منطق الضغوط إلى سياسة الحسم وفرض الوقائع.

ميدل ايست نيوز: لا تبدو عملية فنزويلا، مجرد تطور أمني عابر، بل تحوّلت إلى رسالة أمريكية قاسية تعكس انتقال واشنطن من منطق الضغوط إلى سياسة الحسم وفرض الوقائع، ووفقاً لمراقبين، فإن العملية حملت، إلى جانب طابعها الأمني، رسائل سياسية غير مباشرة لخصوم واشنطن لاسيما في الشرق الأوسط، مفادها أن منطق القوة الجديد نهج يهدف إلى دفعهم لإعادة فتح قنوات التفاوض أو إبداء المرونة تحت وطأة إدراك متزايد بأن التهديدات الأمريكية قابلة للتنفيذ في أي وقت.

ويقول المحلل السياسي نزار حيدر، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “ما جرى في فنزويلا لا يمكن فصله عن تحوّل واضح في منهجية الإدارة الأمريكية، التي باتت، وفق هذا النموذج، مستعدة لفرض إرادتها السياسية والأمنية مهما كانت الكلفة، حتى لو تطلّب ذلك تجاوز القانون الدولي وقواعد النظام العالمي. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أظهر، من خلال هذه العملية، أنه حين يقرر حسم ملف ما، فإنه يمضي به إلى نهاياته بلا تردد”.

ويضيف حيدر، أن هذه “الخطوة حملت رسائل شديدة الخطورة إلى خصوم واشنطن، وفي مقدمتهم إيران، ولا سيما في ظل الاحتجاجات الداخلية التي تشهدها البلاد، وتصريحات ترامب الداعمة للمحتجين في حال تعرضهم للقمع، ما يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية في طهران من تكرار سيناريو مشابه، وإن بأدوات وسياقات مختلفة”.

ويتابع أن “الإدارة الأمريكية لا تعتمد وصفة واحدة في التعامل مع الأزمات، فلكل دولة ظروفها وأدوات الضغط الخاصة بها، إلا أن المنهج العام لم يتغير، وهو ما يدفع إيران إلى التعامل مع الرسائل الأمريكية بأقصى درجات الحذر والبراغماتية، انسجاماً مع طبيعة سلوكها السياسي الذي يضع بقاء النظام في صدارة الأولويات”.

ويرجّح المحلل السياسي المقيم في واشنطن، أن تعود طهران، في ضوء هذه المعطيات، إلى “طرق أبواب واشنطن مجدداً، ولكن برؤية مختلفة وشروط جديدة، بعد أن باتت مقتنعة بأن تهديدات ترامب لم تعد للاستهلاك الإعلامي، بل قابلة للتنفيذ في أي لحظة”.

ويلفت إلى أن “أحد أخطر أدوات ترامب في إدارة الأزمات هو الخداع السياسي، إذ يرفع شعار التفاوض في العلن، فيما يخطط في الخفاء لخيارات عسكرية وأمنية، كما حدث خلال فترات التفاوض السابقة مع إيران، حين تزامنت الدعوات الدبلوماسية مع استعدادات لعمليات عسكرية وضربات إسرائيلية محتملة”.

ويخلص حيدر، إلى أن “القيادة الإيرانية تدرك هذه المعادلة جيداً، وتتعامل معها بواقعية عالية لتفادي الانزلاق نحو تصعيد مفتوح مع واشنطن، خصوصاً بعد أن أثبتت التجربة أن الولايات المتحدة باتت أكثر ميلاً لاستخدام القوة المباشرة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية”.

وفي سياق تصعيد أمريكي غير مسبوق تجاه فينزويلا، أعلنت واشنطن أمس الأول السبت، تنفيذ تحرك عسكري سياسي واسع استهدف رأس النظام الفنزويلي، وبعد انفجارات متتالية هزت العاصمة كراكاس، كشف الرئيس ترامب عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لافتاً إلى أن “هذه واحدة من أعظم عملياتنا مثل عملية قاسم سليماني وقصف المواقع النووية الإيرانية”.

وفيما قدّمت الولايات المتحدة العملية بوصفها خطوة حاسمة لإنهاء “نظام معادٍ” ومتورط في قضايا فساد وتهديد للأمن الإقليمي، عدت السلطات الفنزويلية العملية تدخلاً سافراً في شؤون دولة ذات سيادة، لكن في الشرق الأوسط، قرئت العملية كإنذار مبكر لدول وقوى إقليمية، بينها إيران وفصائل مسلحة في العراق، وسط تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الإشارات الأمريكية ستُفضي إلى إعادة حسابات لدى خصوم واشنطن، أم أنها ستدفعهم إلى مزيد من التشدد.

من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي، أن “ردود الفعل على الرسائل والمطالب الأمريكية تختلف من طرف إلى آخر، إلا أن إيران، تدرك جيداً أن خيار التنازل أمام ترامب ليس مطروحاً، لأن أي مرونة إضافية قد تضع النظام الإيراني على مسار مشابه لمصير النظام العراقي السابق، وهو ما تعتبره طهران خطاً أحمر وجودياً”.

ويشير الفيلي، خلال حديث لـ“العالم الجديد”، إلى أن “طبيعة الشروط الأمريكية المفروضة على إيران تُعد شديدة القسوة من وجهة النظر الإيرانية، ولا تترك هامشاً حقيقياً للمناورة، لا سيما في ما يتعلق بالبرنامج النووي الذي كلف طهران تريليونات الدولارات، قبل أن يتوسع الضغط ليشمل ملف الصواريخ، ما يعمّق الإحساس بأن واشنطن تستهدف جوهر القوة الاستراتيجية الإيرانية”.

ويضيف أن “احتمالات التغيير في إيران قد تأتي من الداخل أكثر مما تُفرض من الخارج، في ظل حالة قلق وجودي متصاعدة تعيشها النخبة الحاكمة، بالتوازي مع تصاعد مؤشرات المواجهة الإقليمية، ولا سيما مع إسرائيل”، من غير أن يستبعد “انزلاق الأمور نحو صدام مباشر، قد تبادر فيه إيران بضربة استباقية إذا شعرت بأن الحرب باتت وشيكة”.

وفيما يخص الساحة العراقية، يؤكد أستاذ العلوم السياسية، أن “ما جرى في فنزويلا شكّل جرس إنذار خطيراً للفصائل المسلحة، إذ بات واضحاً أن بنك الأهداف الأمريكي- الإسرائيلي واسع، ويضم مئات المواقع العسكرية والأمنية والفصائلية، ما يضع هذه القوى أمام خيارات محدودة، حتى وإن رفضت بعض الفصائل مبدأ تسليم السلاح أو تقديم التنازلات”.

ويلفت إلى أن “التعاطي العراقي مع رسائل المبعوث الأمريكي مارك سافايا لا يزال دون مستوى التحديات”، محذراً من “الاعتقاد بإمكانية احتواء واشنطن عبر صفقات جزئية أو تفاهمات محدودة، لأن سافايا، وفق تعبيره، لا يمثل اجتهاداً شخصياً، بل يحمل رسالة حازمة صادرة عن مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأمريكية”.

ويخلص الفيلي إلى أن “الضربة الأمريكية في فنزويلا ستُفرض على خصوم واشنطن إعادة قراءة المشهد بواقعية أكبر، رغم أن بعض الأطراف ما تزال تمارس المكابرة وترفض الإقرار بحجم الضغط، إلا أن المحصلة النهائية، ستقود إما إلى الإذعان الطوعي أو القسري”، مؤكداً أن “من يستوعب طبيعة التحديات مبكراً هو الأقدر على إدارتها وتفادي كلفها في المرحلة المقبلة”.

وتعيش إيران على وقع احتجاجات كبيرة اعتراضاً على غلاء المعيشة وهبوط العملة، تحولت بعضها إلى مواجهات دامية أسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى بينهم عنصر في قوات الباسيج، في تصعيد ينذر بانفجار أكبر أزمة داخلية منذ سنوات.

وكان ترامب قد أصدر عبر منصته “تروث سوشيال”، الجمعة، تحذيراً شديد اللهجة من أي عنف ضد المتظاهرين الإيرانيين، مؤكداً أن الولايات المتحدة “ستتدخل لإنقاذهم” في حال تعرضهم لأي اعتداء، مضيفاً: “نحن على أهبة الاستعداد”، دون أن يوضح طبيعة هذا التدخل.

وعقب عملية فينزويلا، أكد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي، في تدوينة أن إيران لن تسمح لأمريكا العبث بأمنها مثل فنزويلا”.

وهدد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، النائب إسماعيل كوثري، باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، رداً على تصريحات الرئيس الأمريكي الداعمة للاحتجاجات السلمية في إيران.

من جهته، يؤكد مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، خلال حديث لـ“العالم الجديد”، أن “التصعيد الأمريكي تجاه فنزويلا لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً معزولاً، بل يأتي ضمن سياق أوسع لنمط متكرر في السلوك الأمريكي على الساحة الدولية”.

ويضيف فيصل، أن “الولايات المتحدة، باعتبارها قوة عظمى، لا تتعامل مع العالم وفق منطق الدولة العادية الخاضعة دوماً لقواعد القانون الدولي، بل تنطلق من اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية العليا”.

ويشير إلى أن “هذا النهج تجلّى بوضوح في محطات سابقة، من العراق وتصفية نظام صدام حسين، إلى ليبيا وسقوط نظام القذافي، مروراً بسوريا، وصولاً إلى التخلي عن حلفاء سابقين كما حدث مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، فضلاً عن تجارب السودان واليمن”، مشيراً إلى أن “هذه السياسة تقوم على ملاحقة الأنظمة التي تُصنَّف أمريكياً بوصفها معادية أو غير منسجمة مع الرؤية الأمريكية للنظام الدولي”.

ويوضح مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، أن “العالم يشهد اليوم صراعاً مفتوحاً على شكل النظام الدولي، حيث يعكس شعار “أميركا العظمى” الذي يرفعه الرئيس دونالد ترامب توجهاً نحو عالم بلا خصوم، وبلا منافسين، وبلا قوى موازية قادرة على كبح النفوذ الأمريكي”.

ووفقاً لفيصل، فإن هذا التوجّه يفسّر ليس فقط ما جرى في فنزويلا، بل أيضاً التصعيد المستمر تجاه إيران، والتوترات المتزايدة في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية على حد سواء، في إطار معركة نفوذ تهدف إلى منع تشكّل معسكرات سياسية أو اقتصادية بديلة قد تقيّد حركة واشنطن عالمياً.

ويخلص إلى أن “الرسالة الأمريكية في هذه المرحلة باتت أكثر وضوحاً وحدّة، ومفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام مختلف الأدوات، السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية، للحفاظ على موقعها المتفرد في قيادة النظام الدولي ومنع إعادة تشكيل موازين القوى”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى