تغيير العقيدة العسكرية الإيرانية: ردع نشط أم بداية منافسة خطيرة؟
يشير البيان الأخير الصادر عن مجلس الدفاع الإيراني إلى أن العقيدة العسكرية للبلاد قد غيّرت مسارها من «الرد بعد الهجوم» إلى «الدفاع الاستباقي».

ميدل ايست نيوز: يشير البيان الأخير الصادر عن مجلس الدفاع الإيراني إلى أن العقيدة العسكرية للبلاد قد غيّرت مسارها من «الرد بعد الهجوم» إلى «الدفاع الاستباقي»؛ وهو تحوّل استراتيجي، يقوم على التشديد على رصد المؤشرات الموضوعية للتهديد، ويوجه رسالة واضحة إلى الخصوم الإقليميين والقوى الغربية مفادها أن إيران لن تنتظر بعد الآن الضربة الأولى، وأن معادلات الردع دخلت مرحلة جديدة.
يقول موقع رويداد 24، إن صدور البيان الأخير عن أمانة مجلس الدفاع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتجاوز كونه مجرد تحذير دبلوماسي تقليدي، ليعكس تحوّلاً جذرياً في النموذج العسكري للبلاد. ففي حين كانت العقيدة الدفاعية الإيرانية طوال العقود الماضية تقوم أساساً على مبدأ «الضربة الثانية» والرد الرادع بعد وقوع الاعتداء، فإن العبارات المحورية الواردة في هذا البيان تدل على أن طهران تعتزم خوض المعادلة على أرضية مختلفة. فالتأكيد على أن إيران لا تقيّد نفسها بالرد بعد الفعل، وأنها تعتبر «المؤشرات الموضوعية للتهديد» جزءاً من معادلتها الأمنية، يعني في الأدبيات الاستراتيجية الإقرار بعقيدة «الدفاع الاستباقي». وهي مقاربة سبق أن ظهرت في تصريحات شخصيات مثل علي شمخاني وبعض نواب البرلمان خلال الأيام الماضية، لكنها تحولت الآن إلى موقف رسمي على مستوى الدولة.
يأتي هذا التحول في المسار الاستراتيجي في ظل بلوغ الضغوط الإقليمية والدولية مستوياتها القصوى. فمجلس الدفاع، من خلال هذا البيان، يطوي عملياً صفحة ما عُرف بـ«الصبر الاستراتيجي»، ويعلن أن استعداد الخصم لتنفيذ هجوم سيُعامل على أنه بمثابة وقوع الهجوم نفسه. من الناحية العسكرية، يعزز هذا التوجه هامش المناورة لدى إيران، إذ لن يعود بوسع الخصم الاتكال على ما يسمى «الأمن ما قبل الهجوم» لتجميع قواته أو التخطيط لعمليات قرب الحدود الإيرانية. وبهذا المعنى، تعمل طهران على خلق حالة من «الغموض الاستراتيجي»، من خلال إرجاع خطها الأحمر من لحظة سقوط الصاروخ إلى لحظة «اتخاذ العدو قرار الهجوم»، بما يرفع كلفة أي تحرك عسكري ضدها إلى مستوى بالغ الارتفاع.
مع ذلك، فإن الدخول إلى ميدان «الضربة الاستباقية» يشبه سيفاً ذا حدين، ويثير حساسيات دولية واسعة. فمن الزاوية القانونية، يشكّل إثبات «المؤشرات الموضوعية للتهديد» و«قرب وقوع الخطر» خطاً فاصلاً دقيقاً بين الدفاع المشروع وبين المبادرة إلى الحرب. ولهذا السبب، ترى نخب عسكرية وسياسية أن هذا التحول في العقيدة الإيرانية يتطلب تفوقاً استخباراتياً بالغ الدقة، لتفادي أي سوء تقدير قد يقود إلى مواجهات غير مقصودة. فالفرق الدقيق بين الدفاع الاستباقي والعمل الوقائي يكمن تحديداً في هذه النقطة؛ إذ تؤكد إيران، بوعي محسوب، على «الطابع الموضوعي للتهديد» من أجل توفير إطار يضفي الشرعية على أي خطوات محتملة في المحافل الدولية.
في المحصلة، فإن هذا البيان لا يُعد إعلان حرب بقدر ما هو «أداة ردع نشط». فالحكومة والمؤسسات العسكرية، عبر التلويح بخيار التحرك الاستباقي، تسعى إلى إفشال حسابات الخصم في مرحلة التخطيط نفسها. ويحمل هذا النهج الجديد رسالة مباشرة إلى العواصم الغربية والخصوم الإقليميين مفادها أن إيران لم تعد تنتظر الضربة الأولى لترد بضربة ثانية، بل إن «تحريك اليد نحو الزناد» من جانب العدو قد يكون كفيلاً بإنهاء حالة الهدوء في غرف عملياته. لقد خرجت حماية السيادة الإقليمية من الإطار الدفاعي البحت، لتتحول إلى فعل أمني مبادر، تُقدَّم فيه الوقاية من الكارثة على إدارة تداعياتها بعد وقوعها.



