هل ستدفع إيران مليارات الدولارات لسوريا كغرامة؟

إن مطالبة دولة بتعويضات من دولة أخرى تتطلب إثبات المسؤولية القانونية، ووجود ضرر مباشر، وعلاقة سببية بين الحدث والضرر، وهو أمر لا يكتسب صفة قانونية إلا بعد أحكام محاكم أو هيئات تحكيم دولية.

ميدل ايست نيوز: أثارت التصريحات الأخيرة لوزير المالية السوري بشأن مستحقات دمشق المليارية من إيران موجة من ردود الفعل والأسئلة في الأوساط السياسية والدبلوماسية الإقليمية. هذه التصريحات لم تقتصر على كونها شديدة اللهجة، بل تشير إلى تغيير ملحوظ في موقف دمشق تجاه أحد أقدم حلفائها.

وزعم وزير المالية السوري مؤخراً أن إيران مطالبة بدفع تعويضات لسوريا، وقال في تصريح نادر: «سنحصل على مليارات الدولارات من إيران كتعويض للدمار الذي ألحقته ببلادنا. دعوني أخبرهم بمثل سوري: “إلي أستحى مات”. نحن بصدد إعداد قائمة بالمطالبات ضد الحكومة الإيرانية». تأتي هذه التصريحات في وقت كانت فيه إيران حتى سقوط نظام بشار الأسد واحدة من أقرب الشركاء الاستراتيجيين لسوريا في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً في الفضاء السياسي والدبلوماسي، وأظهرت تحولاً ملحوظاً في سياسة دمشق تجاه حليفها التاريخي، في ظل مرحلة إعادة تعريف العلاقات الخارجية لسوريا بعد سقوط نظام الأسد.

وردّاً على هذه التصريحات، أكد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية: «المطالبات الاقتصادية بين الدول لها قاعدة قانونية، والمستحقات المالية لا تتغير أو تلغى بتغيير الحكومة أو تحول في السلطة. هذه المطالبات موثقة، وبالتأكيد هي مسألة ثنائية بين بلدين، حتى عند مواجهة أحدهما بمشكلات جوهرية».

من التحالف الاستراتيجي إلى النزاع القانوني

خلال أكثر من عقد من الحرب الداخلية، كانت العلاقات بين إيران وسوريا في أعلى مستويات التعاون، حيث قدمت إيران، سواء بشكل مباشر أو عبر خطوط ائتمانية، مساعدات مالية ونفطية ولوجستية واسعة للحكومة السورية. وقد سُجلت كثير من هذه الاتفاقيات رسمياً، بينما نشأت أخرى في سياق الطوارئ الحربية.

ومع تغير هيكل السلطة في دمشق، تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى ترسيم حدود واضحة بينها وبين النظام السابق، ويمكن تفسير مطالبة سوريا بتعويضات من إيران في هذا السياق كجهد لإعادة تعريف الرواية التاريخية وتحميل جزء من تكاليف الحرب والأزمة للحلفاء السابقين.

ماذا يقول القانون الدولي؟

بموجب القانون الدولي، يسود مبدأ «استمرارية التزامات الدول»، أي أن تغيير الحكومة لا يلغي تلقائياً الالتزامات والديون الدولية للدول. كما أن موقف وزارة الخارجية الإيرانية يستند تماماً إلى هذا المبدأ. فإذا كانت لدى إيران مستحقات مالية أو عقود رسمية مع الحكومة السابقة في سوريا، فإن هذه المطالبات لا تزال صالحة وملزمة.

في المقابل، فإن مطالبة دولة بتعويضات من دولة أخرى تتطلب إثبات المسؤولية القانونية، ووجود ضرر مباشر، وعلاقة سببية بين الحدث والضرر، وهو أمر لا يكتسب صفة قانونية إلا بعد أحكام محاكم أو هيئات تحكيم دولية، وإلا فهو يظل في معظم الأحيان أداة سياسية أكثر من كونه مطلباً قانونياً.

البعد السياسي لتصريحات وزير المالية السوري

بعيداً عن الجانب القانوني، تحمل تصريحات وزير المالية السوري لهجة حادة وساخرة، ترسل رسالة سياسية واضحة: الحكومة السورية الجديدة تريد أن تظهر أن سياستها الخارجية ليست استمراراً للسياسة السابقة وأنها مستعدة لإعادة النظر في العلاقات مع الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك إيران. كما قد تشكل هذه التصريحات جزءاً من جهود سوريا لكسب دعم الدول العربية والغربية التي اتهمت إيران طويلاً بالتدخل السلبي في الأزمة السورية.

ويبدو أن مسألة التعويضات ستصبح أكثر أداة في المفاوضات الدبلوماسية المستقبلية منها قضية قانونية محددة، حيث من المرجح أن تؤكد إيران على الوثائق والاتفاقيات السابقة، بينما تسعى سوريا الجديدة إلى تعزيز موقفها الإقليمي من خلال طرح هذه المطالبات.

وفي نهاية المطاف، لن يحسم مصير هذه النزاعات من خلال الشعارات المتشددة، بل على طاولات المفاوضات والآليات القانونية الدولية، حيث سيتبين كيف تحوّل التحالف الاستراتيجي السابق إلى خلاف دبلوماسي اليوم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى