أين تتجه الثروات في إيران مع تصاعد الاضطرابات؟
مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يتحول رأس المال إلى مؤشر مبكر لمستوى القلق في الاقتصادات المتأثرة، إذ تسعى الثروات الخاصة إلى ملاذات أكثر استقراراً في مواجهة المخاطر السياسية والاقتصادية.

ميدل ايست نيوز: مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يتحول رأس المال إلى مؤشر مبكر لمستوى القلق في الاقتصادات المتأثرة، إذ تسعى الثروات الخاصة إلى ملاذات أكثر استقراراً في مواجهة المخاطر السياسية والاقتصادية.
وتُعدّ الحالة الإيرانية مثالاً على هذا النوع من إعادة التقيم في فترات عدم اليقين، خصوصاً في الاقتصادات التي تواجه ضغوطاً سياسية واقتصادية متزامنة، حيث تميل الثروات الخاصة إلى البحث عن أدوات تحوّط لحماية القيمة أو ضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية.
ولا تتوفر بيانات حديثة حول التدفقات المالية الإيرانية الجارية، لكن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قال في مقابلة مع “نيوزماكس” أمس إن الولايات المتحدة ترصد تحويلات مالية من إيران عبر قنوات متعددة، موضحاً أن “ملايين، بل عشرات الملايين من الدولارات، يتم تحويلها إلى خارج البلاد”، من دون تحديد وجهات بعينها أو توصيف هذه التحركات.
دول الجوار في دائرة التحليل
ترتبط إيران بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع دول المنطقة، ما يجعل الاقتصادات المجاورة جزءاً أساسياً من أي نقاش حول حركة التجارة والتمويل المرتبطة بإيران.
وتبرز في هذا السياق الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والعراق، بحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح التجارية وسلاسل الإمداد، والتي تُعدّ فعلاً من بين أكبر الشركاء التجاريين لإيران.
بحسب مرصد بيانات التجارة من منظمة التجارة العالمية، تُعدّ الإمارات أكبر شريك عربي لإيران وثاني أكبر شريك تجاري لها عالمياً بعد الصين، بحجم تبادل تجاري قدر بنحو 28.2 مليار دولار في 2024. في المقابل، يحتل العراق موقعاً متقدماً بين وجهات الصادرات الإيرانية، فيما تلعب سلطنة عُمان دوراً مهماً كبوابة لوجستية وتجارية في بعض القطاعات.
يوضح جمال سيف الجروان، الأمين العام لـ”مجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج”، أن رأس المال يتفاعل سريعاً مع تصاعد المخاطر: “عندما ترتفع المخاطر السياسية أو تتصاعد التوترات أو تفرض عقوبات، يميل المستثمرون، خصوصاً الأجانب، إلى سحب أصولهم أو نقلها إلى بيئات أكثر أماناً خوفاً من خسائر في القيمة أو صعوبات في التحويلات”.
هذا السلوك قد يتخذ أشكالاً متعددة مثل بيع الأصول المحلية، وتحويل الأرباح للخارج أو الاستثمار في عملات أجنبية. وفي حال فرض قيود على التحويلات “تحدث بعض التحركات عبر قنوات غير رسمية أو طرق بديلة”، بحسب الجروان في حديثه مع “الشرق”.
لكن ذلك قد لا يعني بالضرورة انتقالاً منظماً لرؤوس أموال كبيرة إلى وجهات محددة. ويقول حمزة الكعود، محلل شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “تي إس لومبارد” (TS Lombard) لـ”الشرق” إن التنبؤ بتدفقات رؤوس الأموال الإيرانية يبقى صعباً في ظل الوضع الحالي، لكنه يرى أن دولاً ترتبط بعلاقات تجارية قوية مع إيران، مثل “الإمارات مرشحة للاستفادة من علاقاتها التجارية مع إيران في استقطاب جزء من هذه الأموال”، في حال توسعت أنماط إعادة التموضع، من دون الجزم بحجم هذه الاستفادة.
أنماط متشابهة وقنوات مختلفة
تُظهر تجارب سابقة لدول أخرى أن سلوك رأس المال في أوقات الصدمات الجيوسياسية يتسم بأنماط متشابهة،من حيث البحث عن الاستقرار، حتى وإن اختلفت القنوات والسرعة والقيود.
في أعقاب اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية مثلاً، سجلت روسيا مستويات قياسية من خروج رؤوس الأموال تجاوزت 250 مليار دولار خلال عامي 2022 و2023، وفق بيانات رسمية صادرة عن البنك المركزي الروسي وتقديرات دولية.
جزء من هذه التدفقات اتجه إلى وجهات اعتبرت ملاذات آمنة، من بينها سويسرا قبل تشديد القيود والعقوبات، ودول الخليج، لا سيما الإمارات، وهو ما انعكس في ارتفاع تسجيل الشركات وزيادة النشاط في أسواق العقارات والخدمات المالية.
غير أن الجروان يشير إلى أن الحالة الإيرانية تختلف من حيث البنية التحتية والقنوات المتاحة، إذ تواجه إيران منذ سنوات قيوداً تجعل حركة رأس المال أكثر تعقيداً وغالباً عبر مسارات غير مباشرة، مقارنة بالسوق الروسية قبل الحرب.
ولا تقتصر هذه الأنماط على إيران وروسيا، ففي حالة سوريا، أدى تصاعد الصراع إلى انتقال للنشاط الاقتصادي ورأس المال إلى دول الجوار، لا سيما إلى مصر، حيث شهدت البلاد خلال سنوات الحرب نمواً في عدد الشركات السورية والاستثمارات في قطاعات التجارة والصناعة والعقارات، رغم غياب أرقام دقيقة للتدفقات المالية المسجلة.
أما في نيجيريا، فقد دفعت حالة عدم الاستقرار السياسية وأزمات العملة والتضخم وقيود التحويل خلال السنوات الأخيرة الأفراد والشركات إلى البحث عن ملاذات خارجية للثروة، غالباً عبر العقار أو الأصول البديلة في أماكن متفرقة من دول العالم.
تميل رؤوس الأموال للتوجه نحو بيئات تتمتع باستقرار قانوني، وسيولة عالية، وسهولة تحويل الأموال، وأطر تنظيمية واضحة، وعملة قوية. وفي هذا السياق، يرى الجروان أن مراكز مالية وتجارية في المنطقة كالإمارات تتمتع بعوامل جاذبة عامة، ما يجعلها ضمن الخيارات لإعادة التموضع.
الأصول المحتملة لإعادة التحوّط
على مستوى فئات الأصول، يوضح فيصل علي، مدير أول للمحافظ الاستثمارية في “أزيموت”، أن المستثمرين يميلون في المراحل الأولى من تصاعد المخاطر الجيوسياسية إلى الأصول ذات الطابع الدفاعي.
وأضاف لـ”الشرق”: “عند ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، تتجه التدفقات عادة إلى الأصول الآمنة مثل السندات الحكومية، فيما قد تستفيد السلع الأولية إذا أثرت الأزمة في سلاسل الإمداد، كما حدث بعد الغزو الروسي لأوكرانيا”.
كما يعزز المستثمرون عادة مخصصاتهم للذهب، باعتباره مخزناً للقيمة في فترات التضخم والاضطراب.
ويرى ريان ليموند، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي في “نيوفيجن لإدارة الثروات”، أن أي تحركات محتملة لرؤوس الأموال إقليمياً قد تجد طريقها إلى قطاعات بعينها، أبرزها العقار في مراكز مثل دبي وأبوظبي والرياض، إلى جانب استثمارات في البنية التحتية واللوجستيات والموانئ المستفيدة من إعادة توجيه مسارات التجارة، فضلاً عن التكنولوجيا والخدمات المالية والاقتصاد الرقمي المدعومة ببرامج التنويع والنمو طويل الأجل في الخليج.



