منافذ الظل تشعل الخلاف.. «الكمارك» تُعيد التوتر بين بغداد وأربيل

أعاد ملف المنافذ الحدودية غير الرسمية في إقليم كردستان فتح واحد من أعقد ملفات الخلاف بين بغداد وأربيل، بعد إجراءات اتحادية تهدف لتعويض تراجع الإيرادات.

ميدل ايست نيوز: أعاد ملف المنافذ الحدودية غير الرسمية في إقليم كردستان فتح واحد من أعقد ملفات الخلاف بين بغداد وأربيل، بعد إجراءات اتحادية تهدف لتعويض تراجع الإيرادات، تزامنت مع اتهامات بتهريب وهدر مالي سببه غض النظر عن تلك المنافذ من قبل حكومة الإقليم، مقابل نفي الأخير، بأنه السبب الرئيس وراء تراجع عائدات العراق من هيئة الكمارك، ما يضعها في قلب صراع سياسي واقتصادي مفتوح.

وأكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر الوائلي، خلال استضافته في مجلس النواب يوم الاثنين الماضي (12 كانون الثاني يناير 2026)، أن الحكومة الاتحادية اتخذت إجراءات بديلة لمعالجة تراجع إيرادات المنافذ الحدودية، تمثلت بنشر سيطرات ونقاط جمركية في محافظات نينوى وكركوك وديالى، عند المناطق الرابطة بإقليم كردستان، لغرض جباية فروقات الرسوم الجمركية وتوحيد التعرفة، بسبب وجود منافذ ومعابر غير رسمية في إقليم كردستان تتسبب بهدر كبير في المال العام، مؤكداً أن غلقها سيسهم في رفع إيرادات الدولة بشكل ملحوظ.

عدد المنافذ غير الرسمية

وتقول مصادر محلية مطلعة  إن “حوالي 20 منفذاً حدودياً غير رسمي، في إقليم كردستان، لا يخضع لسيطرة حكومته ولا الحكومة الاتحادية، وإنما لسيطرة الأحزاب الحاكمة، وجهات متنفذة، وشيوخ عشائر”.

وتؤكد المصادر، أن “أغلب التجار من محافظات الوسط والجنوب، لجأوا إلى شحن بضاعتهم من منافذ الإقليم بعد القرار الجديد لهيئة المنافذ الاتحادية في اعتماد نظام الأسيكودا، كون هذه المنافذ لا تخضع لهذا النظام، وجباية الأموال”.

وتشير إلى أن “أكثر من 20 منفذاً غير رسمي، مع إيران وتركيا وسوريا، وتقع في مناطق جبلية بمحافظات السليمانية ودهوك وأربيل، يلجأ لها التجار في العراق لشحن بضاعتهم، وإدخالها إلى العراق، بدفع رسوم أقل مما يدفعون بمنافذ الوسط والجنوب، الأمر الذي تسبب بخسائر كبيرة لعائدات هيئة المنافذ”.

وتعتمد منافذ الإقليم مع إيران، برويز خان، وباشماخ وحاج عمران وتويله، وكرمك واليخ صالح، وكيلي، ومنافذ فيشخابور وإبراهيم الخليل، مع تركيا، ومنفذ سيمالكا مع سوريا، على التجار من المحافظات العراقية، كونهم يلجئون لتلك المنافذ بسبب الإعفاءات من الرسوم الكمركية، وعدم خضوع البضائع للفحص والتدقيق اللازم.

عائدات المنافذ

في الأثناء، يؤكد النائب الكردي عن كتلة الموقف غالب محمد، أن “منافذ الإقليم لا تخضع للرقابة والتدقيق، وعائداتها المالية، تذهب للأحزاب الحاكمة”.

ويوضح أنه “لا توجد جهة حكومية تعرف حجم العائدات المالية لمنافذ كردستان، كون تلك المنافذ لا تخضع للنظام الإلكتروني، وجميع التجار العراقيين الذين يواجهون المنع لاستيراد بضائع معينة، يلجأون لمنافذ الإقليم، لاستيراد تلك البضائع، وإدخالها إلى محافظات الوسط والجنوب”.

ويضيف أن “كل قيادي أو متنفذ داخل حزب من الأحزاب الحاكمة في إقليم كردستان يلجأ لفتح منفذ حدودي، ويقوم بإدخال الشاحنات والبضائع، دون أي رقابة حكومية، وهناك عمليات تهريب واسعة، وإدخال لمواد ممنوعة، والعائدات لا تذهب لا للحكومة الاتحادية، ولا إلى حكومة الإقليم، فالمنافذ التي تقع في السليمانية تخضع لسلطة الاتحاد الوطني، والمنافذ التي تقع في دهوك وأربيل، تخضع لسلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني”.

معاناة إضافية

من جهة أخرى، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة الموصل سلام عبدالله، أنه “من دون حل مشكلة المنافذ الحدودية غير الرسمية مع الإقليم، فإن عائدات المنافذ ستبقى ضئيلة، ولا تشكل حجماً كبيراً في واردات الموازنة العامة”.

ويتطرق عبدالله أن “الخطوة التي أقدمت عليها هيئة المنافذ الحدودية في اللجوء إلى فرض سيطرات في المحافظات المحاذية لإقليم كردستان، ستزيد من الأعباء على التجار”.

وينوه إلى أن “التجار الذين ينقلون التي يستوردون البضائع من تركيا وإيران، عبر منافذ الإقليم، سيضطرون لدفع الرسوم في منافذ كردستان، ومن ثم في سيطرات الحكومة الاتحادية، وهذا سيثقل كاهل التاجر، الذي سيضطر لرفع الأسعار، وفي نهاية الأمر، سيكون المواطن هو المتضرر الأكبر”.

ويشدد أستاذ الاقتصاد في جامعة الموصل، على أنه “لا حل لقضية المنافذ الحدودية، إلا بالاتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان على تطبيق نظام الاسيكودا، والاتفاق على غلق المنافذ غير الرسمية في الإقليم، وتشكيل إدارة مشتركة بين بغداد وأربيل لمنافذ كردستان”.

ومع انشاء إقليم كردستان سنة 1991، أصبحت المنافذ والمعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية  أحد أهم مصادر إيرادات خزينة حكومة كردستان، وفي الوقت عينه نقطة خلاف رئيسية بين الحزبين الحاكمين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حيث كانت تمثل المصدر الرئيسي لتأمين رواتب الموظفين ومتطلبات الوزارات.

وبحسب قانون ديوان الرقابة المالية، الرقم (2) لسنة (2008) والمادة 10 من قانون وزارة المالية بالرقم (2) لسنة (2010) فإن وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كردستان تتولى إدارة المنافذ والمعابر في الإقليم، لكن على أرض الواقع لم يتحقق ذلك بغياب إدارة موحدة للمعابر بسبب نفوذ الحزبين الحاكمين، وسيطرتهما الأمنية على المنافذ والمعابر بمعزل عن سيطرة الحكومة الكردية.

ويؤكد أعضاء في برلمان إقليم كردستان، وخبراء اقتصاديون وسياسيون، أن الإقليم أصبح مركزاً لبعض أنواع “الأنشطة التجارية غير القانونية”، كتهريب مواد غذائية وسجائر وسلع أخرى، عبر المنافذ والمعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية.

تبرير الفشل

من جهته، يشير عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شيرزاد حسن، إلى أن “التصريحات الأخيرة لرئيس هيئة المنافذ، وما تبعها من تعليقات من نواب في البرلمان العراقي، هدفها خلق أزمة جديدة مع الإقليم”.

ويبين حسن أنه “بدلاً من الذهاب لتشخيص الخلل وراء الأزمة المالية الكبيرة التي تعصف بالعراق، ذهبوا إلى محاولة لإيجاد تبرير في الفشل بإدارة البلد، وإلقاء اللوم على الإقليم، كما هي العادة في تحميل كردستان كل مشكلة تجتاح البلد”.

ويتابع أن “منافذ إقليم كردستان تخضع للنظام الإلكتروني، ولا توجد منافذ غير رسمية، وإنما هناك منافذ مسجلة في هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية، ومنافذ أخرى، مستكملة لجميع الشروط القانونية، لكن حتى الآن لم توافق بغداد على تسجيلها رسمياً”.

ويرى عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، أن “الاتهامات بوجود عمليات تهريب فيها مبالغة كبيرة، وحتى إن وجدت، فهي حالات فردية، وهذا موجود في منافذ العراق الأخرى، التي تعد بؤرة لعمليات الفساد”.

ويلفت حسن، إلى أن “الإقليم ملتزم تماماً بدفع 50 بالمئة من إيرادات المنافذ الحدودية في كردستان، وتسليمه إلى بغداد، كما نص عليه الاتفاق المبرم بين الحكومتين، والخاص بصرف رواتب الموظفين في كردستان”.

ويؤكد مراقبون بأن ملف الكمارك قد يعيد الأزمة بين بغداد وأربيل، في ظل الاتهامات الموجهة للإقليم، خاصة في حال طبقت الحكومة الاتحادية قرارها بنشر نقاط تفتيش في المحافظات المحاذية للإقليم، كون هذا القرار سيؤثر على واردات الإقليم، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات الكمارك، في تمويل الأحزاب الحاكمة، والمشاريع في المحافظات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى