عام ترامب الأول في العراق: انسحاب عسكري وضغط اقتصادي وتشديد على الفصائل
ظهر العراق في سياسات واشنطن ضمن مقاربات متعددة، تقوم على إدارة الملفات وليس الانخراط المباشر.
ميدل ايست نيوز: بعد عام على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، ظهر العراق في سياسات واشنطن ضمن مقاربات متعددة، تقوم على إدارة الملفات وليس الانخراط المباشر، مثل اكتمال انسحاب التحالف الدولي مع تشديد الرقابة المالية، وربط التعاون الأمني بملفات السلاح والاستقرار، في سياق أعاد تعريف العلاقة بين الطرفين خلال المرحلة الماضية.
وفي العشرين من كانون الثاني يناير 2025 الذي صادف يوم أمس الثلاثاء، أدى ترامب اليمين الدستورية رئيساً للولايات المتحدة، عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية، ليعود إلى البيت الأبيض في مرحلة إقليمية ودولية معقدة.
ويقول الباحث في الشأن السياسي محمد نعناع، في حديث لـ”العالم الجديد”، إن “السمة الأولى لحكم ترامب، تمثلت بسلسلة المفاجآت والصدمات التي أحدثها في عدد من الملفات الدولية والإقليمية، من بينها الدعم الذي قدمه للنظام السوري الجديد، والتعامل الصادم مع ملف فنزويلا واعتقال مادورو، فضلاً عن الضربة التي وُجهت لإيران، وحالة التذبذب في المواقف”.
وفيما يخص العراق، يوضح نعناع، أن “سياسة ترامب خلال هذا العام أفرزت ثلاثة مسارات رئيسة، أولها استبدال التمثيل الدبلوماسي التقليدي، المتمثل بسفير مستقر، بصيغة المبعوث الخاص، وهو ما يؤشر أن العراق ما زال يُنظر إليه في واشنطن بوصفه ساحة أزمة، أما المسار الثاني يتمثل بمحاولة تحييد النفوذ الإيراني داخل العراق، وهذا الملف شهد تقدماً نسبياً”.
ويلفت نعناع، إلى “الضغط العالي والمستمر على الفصائل المسلحة، والذي أخذ أبعاداً أمنية وعسكرية واضحة، انعكست بتوقف الهجمات على القواعد والمصالح الأمريكية، وغياب مشاركة هذه الفصائل في أي تصعيد أمني أو عسكري إقليمي خلال الفترة الأخيرة”.
على المستوى العملي، شكّل اكتمال انسحاب التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش من الأراضي العراقية محطة مفصلية في المسار الأمني بين بغداد وواشنطن، بعد سنوات من الجدل السياسي والشعبي حول طبيعة الوجود الأجنبي.
وبالتوازي مع ذلك، شهد ملف الفصائل المسلحة خلال عام إدارة دونالد ترامب تطورات لافتة، تمثلت بتصاعد الضغوط الأمريكية السياسية والأمنية، إلى جانب رسائل مباشرة وغير مباشرة تؤكد ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، إذ صدرت خلال الأشهر الماضية مواقف وتصريحات من بعض الفصائل والقوى السياسية المؤثرة، أبدت فيها موافقتها على مبدأ نزع السلاح أو إعادة تنظيمه ضمن الأطر الرسمية.
بدوره يقول الباحث في الشأن الأمني سرمد البياتي، في حديث لـ”العالم الجديد”، إن “الشق العملي من سياسة إدارة ترامب تجاه العراق خلال عامه الأول انعكس بشكل واضح على المسار الأمني، ولا سيما في ما يتعلق بملف الوجود العسكري الأمريكي والفصائل المسلحة”، مشيراً إلى أن “استمرار العمل باتفاقيات انسحاب التحالف الدولي، يُعد أحد الأهداف الأساسية التي سعت الحكومة العراقية إلى تحقيقها، وقد جرى إنجازه بالفعل مع اكتمال الانسحاب القتالي”.
ويرى البياتي، أن “إدارة ترامب تركت بصمة واضحة في هذا الملف، سواء عبر المضي في تنفيذ الاتفاقيات الأمنية، أو من خلال الانتقال إلى أدوات ضغط غير عسكرية، وكذلك الخطاب الإعلامي والتصريحات المتكررة، سواء من خلال تغريدات المبعوث الأمريكي أو عبر رسائل سياسية مباشرة، مفادها أن ملف الفصائل يجب أن يصل إلى نهايات واضحة، وأن مسألة حصر السلاح لم تعد قابلة للتأجيل أو المعالجة الشكلية”.
ويرجح أن “يشهد هذا الملف تصاعداً أكبر في حال جرى احتواء أو حسم التوتر مع إيران، إذ من المتوقع، أن يتحول الضغط الأمريكي نحو الداخل العراقي بشكل أكثر مباشرة ووضوحاً خلال المرحلة المقبلة”.
مسار اقتصادي «حافل»
اقتصادياً، شكّل توسيع نطاق العقوبات الأمريكية إحدى أبرز محطات سياسة إدارة ترامب تجاه العراق خلال عامه الأول، إذ ركزت وزارة الخزانة الأمريكية على استهداف شبكات تمويل مرتبطة بفصائل مسلحة وشخصيات وكيانات متهمة بتسهيل الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.
وشملت هذه الإجراءات إدراج شركات صرافة، وشبكات تحويل مالي، وأفراد على لوائح العقوبات، مع تجميد أصولهم ومنع تعاملهم بالدولار والنظام المالي الدولي، في إطار مساعٍ لقطع مسارات التمويل غير الرسمية داخل العراق.
وبالتوازي مع ذلك، كثفت واشنطن ضغوطها على النظام المالي العراقي، عبر إجراءات رقابية مشددة استهدفت ملف الدولار، وتمويل التجارة الخارجية، إذ فرضت الخزانة الأمريكية تدقيقاً واسعاً على التحويلات الخارجية وسجلات المصارف الحكومية والأهلية، إلى جانب شركات الدفع الإلكتروني وتمويل الاستيراد، بهدف تتبع مصادر الأموال ووجهتها النهائية.
بدوره يقول الباحث الاقتصادي دريد العنزي، في حديث لـ”العالم الجديد”، إن “كثافة تصريحات المبعوث الأمريكي مارك سافايا خلال العام الأول من إدارة ترامب، ولا سيما تلك المتعلقة بالملف الاقتصادي، تؤشر طبيعة الأولويات الأمريكية تجاه العراق في هذه المرحلة”.
ويشير العنزي، إلى أن “معظم هذه التصريحات انصبت على قضايا محددة، من بينها عمل الشركات، وملف تهريب الأموال، وأوضاع المصارف، وهو ما يدل، على أن التركيز الأمريكي يتجه نحو ملفات الفساد البنيوي أكثر من أي مسارات تهدئة أو تفاهمات سياسية مؤقتة، معتبراً أن هذا التوجه يمثل جوهر المقاربة الأمريكية الحالية”.
ويتابع أن “الولايات المتحدة تتعامل مع هذه الملفات من زاوية فنية وإجرائية، عبر دراسة القضايا والارتباطات المالية، وتدقيق أنشطة الشركات، وتتبع مسارات تهريب الأموال”، موضحاً أن “هذا النهج، رغم تعقيده، قد يكون أكثر فائدة للعراق إذا ما اقترن بإجراءات حاسمة، وليس بمجرد مراجعات طويلة الأمد”.
وسجلت العلاقة بين الطرفين اتهامات متكررة بوجود شبكات تستغل نافذة بيع العملة والمنافذ الحدودية لتهريب العملة الصعبة خارج البلاد، وهو ما دفع واشنطن إلى ربط استقرار النظام المالي العراقي بمدى التزام بغداد بمعايير الامتثال والشفافية المالية.



