الصحافة الإيرانية: لماذا تُعلن تركيا دعمها الصريح لإيران؟

يمكن القول إن القلق التركي عملي واستراتيجي. تركيا لا تريد أن تتحول إيران إلى مصدر للقلق، لأنه سيهدد أمنها واقتصادها وحدودها مباشرة.

ميدل ايست نيوز: وضعت القدرة على التعرف في الوقت المناسب على التدخلات الإقليمية والتمسك ببعض المبادئ المقبولة في النظام الدولي تركيا إلى جانب إيران خلال التوترات الأخيرة، بما يظهر أن أنقرة رصدت بوضوح المخطط الذي أعدته تل أبيب لتفتيت الدول الكبرى في المنطقة، وسعت للحد من خطره.

«إخواننا الإيرانيون يتجاوزون الفتنة الخبيثة»، ما سبق هو تصريح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان يبرز الموقف الصريح والمباشر لتركيا من ما يحدث في الداخل الإيراني، ويعكس نوعاً من أعمق مستويات التقارب التي شهدتها إيران مع جارتها الشمال غربية خلال العقد الأخير. أوضح رجب طيب أردوغان في حديثه مساء الخميس مع نظيره الإيراني مسعود بزشکیان، قائلاً: «نرفض أي سيناريوهات تدخلية ضد إيران»، مشيداً بالنهج المنهجي والإطار المؤسسي الذي تتبعه إيران في إدارة الاحتجاجات.

من جانبه، قدم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في 10 يناير الجاري خلال ذروة التوترات الداخلية والتهديدات الخارجية ضد إيران، في مقابلة مع قناة TRT الرسمية، رؤية واضحة ومنطقية ومستندة إلى الواقع الميداني، مشيراً إلى أن «التحريض على الاحتجاجات في إيران من قبل أطراف خارجية، وعلى رأسها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ليس أمراً خفياً».

وحذر عمر تشليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، من أن أي تدخل خارجي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار، ودعا الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لإيران. وأكدت صحيفة «ديلي صباح» في مقال لها أن تركيا ترى أن مشاكل إيران لا يمكن حلها عبر التدخل الخارجي، وأن أي تدخل من هذا النوع سيزيد الأمور تعقيداً.

وقالت وكالة إرنا الحكومية، إن عدة مدن تركية شهدت تظاهرات دعمًا لإيران ومعارضة للتدخلات والإجراءات الإسرائيلية والأمريكية، وهو أمر غير مسبوق ويستحق التوقف عنده.

كما تبادل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، معلومات حول التدخلات الخارجية في احتجاجات إيران مع فيدان، بينما ظل وزيرا الخارجية على اتصال مستمر خلال الأسابيع الماضية.

على الصعيد البرلماني، شدد رئيس مجلس الشورى الإيراني ونظيره التركي خلال مكالمة هاتفية مساء الخميس على اتفاقهما في الرؤية حول التطورات الأخيرة، وأعرب محمد باقر قاليباف عن تقدير إيران لدعم تركيا.

يعكس مجموع هذه التصريحات والإجراءات التي اتخذتها أنقرة خلال الأسبوعين الماضيين، والدعم المتواصل لإيران في جميع المواقف والحوارات الثنائية مع المسؤولين الإيرانيين وقادة دول أخرى، تمسك تركيا بإيران كجار منافس وصديق تاريخي. وعلى الرغم من أن استغلال أي احتجاج داخلي في إيران من قبل أطراف خارجية كان أمراً متكرراً على مر العقود، إلا أن هذا الأمر لم يكن مخفياً خلال أحداث يناير الأخيرة، حيث وقفت أنقرة إلى جانب إيران ضمن موقف داعم، جنبًا إلى جنب مع دول إقليمية أخرى.

الأسباب الاستراتيجية والجيوسياسية لدعم تركيا لإيران

تستند سياسة تركيا تجاه التطورات الداخلية في إيران ومواقفها الداعمة إلى عدة أسباب رئيسية، أهمها الاعتبارات الاستراتيجية والجيوسياسية ووجود خصم مشترك. تحليل تصريحات هاكان فيدان في 16 يناير خلال مؤتمر صحفي أمام وسائل الإعلام التركية يوضح أحد أبرز أسباب دعم تركيا لإيران، حيث أكد أن «أي تغيير في إيران له تأثير مباشر على الدول المجاورة، ولا يمكن منع انتشار انعدام الأمن إلى هذه الدول. نحن نرصد التطورات بعناية ونسعى للحفاظ على الاستقرار الإقليمي».

ومنذ اندلاع الحروب الداخلية في العراق وسوريا، شهدت تركيا أكبر موجات الهجرة من هذين البلدين، وما زالت تواجه تحديات كبيرة نتيجة تدفق اللاجئين من سوريا والعراق.

وتبلغ الحدود المشتركة بين تركيا وإيران أكثر من 560 كيلومتراً، ويخشى المسؤولون الأتراك من أن استمرار الاضطرابات قد يحوّل هذه الحدود إلى ممر غير آمن لتهريب الأسلحة والمخدرات وتحركات الميليشيات. من هذا المنطلق، شدد وزير الخارجية التركي على أن عدم الاستقرار الكبير في إيران يتجاوز قدرة المنطقة على التحكم به وقد يمتد إلى تركيا، وأن أي تصعيد عسكري أو توتر داخلي في إيران سيؤدي إلى موجات لجوء جديدة، وهو ما تسعى أنقرة لمنع وقوعه.

ويشهد الأمن على الحدود مع إيران أهمية خاصة لأن تركيا لا ترغب بتكرار التجارب مع العراق وسوريا، ويعتبر الرئيس أردوغان أن أي تصعيد داخلي في إيران قد يهدد الحدود التركية مباشرة.

اقتصادياً، رغم القيود لا تزال هناك روابط قوية بين تركيا وإيران، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 6.5 مليار دولار حتى منتصف العام الماضي، ما يعكس محدودية القدرات الاقتصادية للطرفين. كما تعتمد تركيا على إيران في نحو 13.5 إلى 20 بالمئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي. ما يعني أن أي تصاعد في الاضطرابات سيؤثر على سلسلة الإمدادات والطاقة والتجارة الثنائية، مع تبعات اقتصادية كبيرة. وتُعزز الروابط الثقافية والتاريخية والدينية المشتركة بين البلدين التعاون السياسي والتمثيل المشترك في المنظمات الدولية، ما جعل إيران وتركيا حليفين في الأزمات كما وصفها عباس عراقجي.

لكن هذه العوامل ليست السبب الوحيد لدعم تركيا لإيران؛ فأنقرة تشعر منذ نحو عامين بخطر تحذّر منه إيران منذ أكثر من أربعة عقود، وهو وجود عدو مشترك يُدعى إسرائيل. ومع تراجع العلاقات المرنة بين تركيا وإسرائيل بعد 7 أكتوبر، أدركت أنقرة أن استراتيجية إسرائيل لتقسيم إيران يمكن أن تكون خطراً مماثلاً على تركيا نفسها، وهو ما دفع أردوغان في خطابه في 7 يناير إلى التأكيد على أن تركيا لن تكون «فريسة للتقسيم» لأنها موجودة على «طاولة اللعبة» السياسية.

وأشار نومان كورتولموش، رئيس البرلمان التركي، إلى أن القوة الرئيسية لإسرائيل تكمن في زعزعة وحدة الدول الإسلامية والتقسيم، وهو ما يظل مصدر قلق مشترك بين تركيا وإيران ويعزز التقارب بينهما.

من ناحية أخرى، تخشى تركيا من صعود الجماعات الإرهابية مثل حزب العمال الكردستاني وفروعه، حيث يمثل النشاط الكردي تهديداً للأمن القومي لكلا البلدين، ويستمر التنسيق الأمني للسيطرة على الأنشطة الكردية على الحدود. إذن، فأي اضطراب في إيران قد يقوي الحركات الانفصالية الكردية في المنطقة، وهو ما يشكل خطاً أحمر لأنقرة.

كما استثمرت إسرائيل في الجماعات الانفصالية على حدود الدول الكبرى، وتعد الحدود الإيرانية والتركية مناطق نشاط مسلح وكثيف لهذه الميليشيات، ما يجعل أي تصاعد لهذه الجماعات في ظل الاضطرابات الإيرانية أمراً مرفوضاً بالنسبة لأنقرة.

من هذا المنطلق، يمكن القول إن القلق التركي عملي واستراتيجي. تركيا لا تريد أن تتحول إيران إلى مصدر للقلق، لأنه سيهدد أمنها واقتصادها وحدودها مباشرة. على الرغم من العلاقات المعقدة مع إيران، تظل الأولوية الحالية هي الحفاظ على الوضع القائم ومنع أي تصعيد أمني قد يؤدي إلى انفجار إقليمي.

تُظهر جميع تصريحات ومواقف الحكومة التركية حول الأحداث الداخلية في إيران أن أنقرة، بالوقوف إلى جانب إيران، تأمل في لعب دور دبلوماسي لإعادة الأحداث إلى مسار تفاوضي. ومن هنا قال هاكان فيدان إن تركيا ستواصل متابعة المسارات الدبلوماسية بشأن إيران، مع التركيز على تجنب الانزلاق إلى عدم الاستقرار. كما دعا خلال مؤتمر دافوس إلى إيجاد آلية تتيح إجراء مفاوضات جدية بين طهران وواشنطن، وأكد موقف بلاده الرافض لأي مغامرة عسكرية أمريكية ضد إيران. وتعتبر تركيا، على غرار بقية دول المنطقة، أن أي تأجيج للأزمة الإيرانية سيضر بها، وتسعى لإخماده.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى