الصحافة الإيرانية: هل «من النيل إلى الفرات» مشروع توسعي أم استراتيجية لإدارة الفوضى؟
يمكن القول إن إسرائيل تؤدي دور «الدولة المُخلخِلة للتوازن» في المنطقة، إذ إن بعض الفاعلين يحققون مكاسب من الفوضى المُدارة بدلاً من صناعة النظام.

ميدل ايست نيوز: «من النيل إلى الفرات» ليس شعاراً توسعياً بالمعنى التقليدي، بل تعبير عن مقاربة استراتيجية صاغتها إسرائيل في مواجهة تمدد العمق الاستراتيجي الإيراني؛ مقاربة لا تقوم على رسم حدود جغرافية جديدة، بل على فرض منطق إقليمي قائم على إدارة الفوضى، وإضعاف الدول، والتحكم في الفضاء السياسي والأمني، بما يضمن تفوقها واستمرار اختلال التوازن في الشرق الأوسط.
وقال الأستاذ الجامعي والباحث في شؤون الشرق الأوسط محمد رضا عبدالله بور، في مقال رأي لموقع دبلوماسي إيراني، إن تحليل السلوك الجيوسياسي الإسرائيلي في منطقة غرب آسيا يُظهر أن القوة هي مزيج من الفضاء والهوية والخطاب والذاكرة التاريخية. وفي هذا الإطار، تشكّل الجيوسياسة ساحة تنافس متعددة الطبقات، تتفاعل فيها الدول، والجماعات الإثنية–الهوياتية، والفاعلون من غير الدول، والقوى الإقليمية والدولية في آن واحد.
ومن زاوية الجدل بين «البنية والفاعل»، يمكن القول إن البُنى، أي الجغرافيا والحدود والموارد والتاريخ والحضارة، والفاعلين، أي الدول والحركات والنخب والخطابات، لا يكون أيٌّ منها محدِّداً بمفرده. فالجيوسياسة هي نتاج التفاعل الدائم بين الاثنين. وبهذا المعنى، ليست الجيوسياسة علم الخرائط، بل علم «الصراع على المعنى والفضاء والقوة» ضمن سياق إقليمي. ومن هنا، تركّز إسرائيل على الفاعلين غير الدوليين/الإثنيين، وتربط الجيوسياسة بالتاريخ والذاكرة الجمعية، في محاولة لإعادة تعريف طموحاتها الجغرافية.
انطلاقاً من ذلك، تنظر إسرائيل إلى «من النيل إلى الفرات» ليس كمشروع لاحتلال الأراضي، بل كأفق لصناعة نظام إقليمي. وفي هذا الإطار، تسعى إلى ثلاثة أنماط من السيطرة:
أولاً: السيطرة الجيوسياسية على الفضاء (Space Control)، أي التحكم في العقد الأمنية، وكبح العمق الاستراتيجي للخصوم، ونقل عدم الاستقرار إلى خارج الحدود، لا احتلال الأرض. وهو ما يمكن تسميته «الأمن القائم على تصدير الأزمة».
ثانياً: السيطرة الجيوسياسية على الزمن، إذ تعمل إسرائيل على إبقاء خصومها داخل دوامات أزمات مزمنة، ومنع دول المنطقة من الوصول إلى «استقرار تراكمي». ومن أمثلة ذلك الاستنزاف الطويل الأمد في سوريا، وإبقاء لبنان غارقاً في أزماته السياسية والاقتصادية، ومنع تحوّل القوة الإيرانية الكامنة إلى قوة مستقرة، في سياق حرب نفسية وتصعيد وشيك أعقب الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إيران، إلى جانب الضربات العسكرية المحدودة في سوريا ولبنان.
ثالثاً: السيطرة الجيوسياسية على المعنى. وانطلاقاً من مقولة إن «القوة من دون رواية غير مستقرة»، يمكن القول إن «من النيل إلى الفرات» تشكّل رواية رمزية للقوة، ووظيفتها الأساسية ردعية نفسية وأيديولوجية أكثر منها عسكرية.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن إسرائيل تؤدي دور «الدولة المُخلخِلة للتوازن» في المنطقة، إذ إن بعض الفاعلين يحققون مكاسب من الفوضى المُدارة بدلاً من صناعة النظام. وإسرائيل تقع تحديداً ضمن هذه الفئة، من خلال اعتمادها على الضربات الموضعية، ومنع تثبيت قوة الخصم، والحروب بالوكالة، وخفض كلفة المواجهة المباشرة، ومسارات التطبيع، وكسر البيئة العربية المعادية.
وفي ما يتعلق بجيوسياسة «الفضاء الردعي»، بوصفها من الأساليب الحديثة للسياسة الجغرافية، فإن إسرائيل لا تسعى إلى عمق إقليمي بالمعنى التقليدي، بل إلى عمق ردعي. أي إن سوريا والعراق ولبنان، وحتى الخليج، ينبغي أن تتحول إلى فضاءات تكون فيها كلفة قوة الخصم مرتفعة، وغير مستقرة، واستنزافية.
ضمن هذا السياق، يقدم «من النيل إلى الفرات» بوصفه استجابة إسرائيلية لاتساع العمق الاستراتيجي لإيران، وليس مشروعاً توسعياً تقليدياً بالمعنى الكلاسيكي. فهذا المفهوم لا يمثّل خريطة جغرافية بقدر ما يعكس منطقاً حاكماً لرؤية إسرائيل في تشكيل نظام الشرق الأوسط؛ نظام لا يقوم على ترسيخ الاستقرار، بل على امتلاك القدرة على إدارة عدم الاستقرار والتحكم به. ووفق هذا المنظور، لا تسعى إسرائيل إلى احتلال الأراضي بقدر ما تعمل على إدارة الفضاء المحيط بها، وإضعاف الدول، وإعادة صياغة المعاني السياسية والأمنية بما يخدم تفوقها الاستراتيجي.
ختاماً، لا يمكن تحليل «من النيل إلى الفرات» على أنه مجرد خريطة توسعية أو أسطورة دينية. ففي إطار الجيوسياسة النقدية، يُعد هذا المفهوم أداة خطابية قوية تُنتج الأمن، وتُضفي الشرعية على العنف، وتُظهر النظام الإقليمي المرغوب إسرائيلياً بوصفه أمراً طبيعياً. بالتالي، فإن فهم السياسات الإقليمية لإسرائيل من دون تحليل اللغة والرواية والصورة يبقى فهماً ناقصاً. فإسرائيل، وحتى بعض الفاعلين الإقليميين الآخرين، يستفيدون من عدم الاستقرار المُدار بدلاً من الاستقرار. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى السياسات الإقليمية الإسرائيلية على أنها استراتيجية لصناعة النظام عبر الأزمة الدائمة. ووفق هذا التصور، فإن «من النيل إلى الفرات» ليس خريطة لاحتلال الأراضي، بل أفق رمزي لاحتواء البيئة المحيطة، ومنع تثبيت قوة الخصوم الإقليميين، وإعادة إنتاج التفوق الاستراتيجي.



