طبول الحرب على إيران… فرضية “البجعة السوداء” تثير ذعر الأسواق

على وقع طبول الحرب، تتغذى حالة القلق المتصاعدة في الأسواق على فرضية ما يعرف بـ"البجعة السوداء"، وهي أحداث نادرة وضعيفة الاحتمال في الحسابات التقليدية.

ميدل ايست نيوز: دقّت طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على وقع تصريحات متبادلة رفعت منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن أرسلت أسطولاً عسكرياً باتجاه الشرق الأوسط مع إبقاء كل الخيارات مطروحة، فيما ردت طهران بتحذير صريح من أنّ أيّ ضربة أميركية ستقابل باعتبارها حرباً شاملة. وقال ترامب للصحافيين يوم الخميس الماضي: “نحن نراقب إيران. كما تعلمون، لدينا الكثير من السفن تتجه إلى تلك المنطقة تحسباً لأي طارئ. لدينا أسطول كبير يتجه في هذا الاتجاه، وسنرى ما سيحدث”. ورد مسؤول إيراني كبير، الجمعة، قائلاً: “هذا الحشد العسكري، نأمل ألّا يكون الهدف منه مواجهة حقيقية، لكنّ جيشنا مستعد لأسوأ السيناريوهات”، وتابع، وفق رويترز: “هذه المرة سنتعامل مع أي هجوم سواء كان محدوداً أو شاملاً أو ضربة دقيقة أو استهدافاً عسكرياً مباشراً أياً كان المسمى الذي يطلقونه عليه، على أنه حرب شاملة ضدنا، وسنرد عليه بأقوى طريقة ممكنة لحسم هذا الأمر”.

وعلى وقع طبول الحرب، تتغذى حالة القلق المتصاعدة في الأسواق على فرضية ما يعرف بـ”البجعة السوداء”، وهي أحداث نادرة وضعيفة الاحتمال في الحسابات التقليدية، لكنها إذا تحققت تخلف أثراً صادماً وواسع النطاق على الأسعار والسيولة والاقتصاد العالمي، وغالباً ما تعجز نماذج التسعير المسبقة عن استيعابها قبل وقوعها، لتعاد قراءتها لاحقاً كما لو كانت متوقعة، وهو ما أعاد إلى الواجهة مخاوف من صدمات حادة في أسواق الطاقة والطيران والشحن والتأمين مع اتساع رقعة التوتر العسكري.

الطيران أول الخاسرين

وفي أول ردة فعل لهذا التصعيد، أوقفت شركات طيران أوروبية عديدة رحلاتها إلى دول في الشرق الأوسط أو المرور فوق أجوائها، بحسب رويترز، كما أوصى منظم الطيران في الاتحاد الأوروبي شركات الطيران التابعة للتكتل في 16 يناير/كانون الثاني الجاري بالابتعاد عن المجال الجوي الإيراني. وألغت شركتا الخطوط الجوية الفرنسية (إير فرانس) والخطوط الجوية الملكية الهولندية (كي إل إم) رحلات إلى وجهات من بينها دبي وتل أبيب بسبب الوضع الراهن في الشرق الأوسط، في حين تتجنب كي إل إم التحليق فوق أجواء عدد من دول الخليج، إضافة إلى إيران والعراق وإسرائيل، كما ألغت شركات طيران أخرى، من بينها لوكس إير وبريتيش إيروايز وترانسافيا ودويتشه لوفتهانزا، رحلات إلى وجهات في المنطقة، فيما عدلت بعض الشركات مساراتها وجداولها الزمنية حتى إشعار آخر.

وقالت شركة إير فرانس إنها ألغت رحلاتها بين باريس ودبي يومي الجمعة والسبت، وعلقت مؤقتاً خدماتها إلى الإمارة بسبب الوضع الراهن في الشرق الأوسط، بحسب بيان صادر عن الشركة، كما أوقفت كي إل إم رحلاتها إلى دبي والرياض والدمام في السعودية، إضافة إلى تل أبيب، حتى إشعار آخر. وقالت الشركة في بيان إنها، كإجراء احترازي، تتجنب حالياً التحليق فوق أجواء عدد من دول الخليج، وكذلك إيران والعراق وإسرائيل. وبحسب موقع مطار دبي الدولي وبيانات موقع تتبع الرحلات فلايت رادار 24، ألغيت أيضاً رحلات عدّة إلى دبي كانت تشغلها شركة لوكس إير اللوكسمبورغية، وبريتيش إيروايز، وشركة الطيران منخفض التكلفة الهولندية ترانسافيا، خلال عطلة نهاية الأسبوع، وقالت شركة دويتشه لوفتهانزا الألمانية إنها ألغت رحلاتها إلى طهران حتى 28 مارس/آذار، وستسير رحلاتها من وإلى تل أبيب وعمّان في الأردن خلال ساعات النهار فقط حتى نهاية الشهر، وكانت بريتيش إيروايز قد أوقفت في وقت سابق من هذا الشهر رحلاتها مؤقتاً إلى البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس للبحرية الأميركية.

اضطراب النفط

وكان النفط هو العنوان الأكثر تفاعلاً مع طبول الحرب، إذ ارتفعت الأسعار بقوة في جلسات نهاية الأسبوع بعد عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى التسعير. وصعدت عقود خام برنت عند التسوية إلى 65.88 دولاراً للبرميل بزيادة 2.8%، وارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 61.07 دولاراً للبرميل بزيادة 2.9%. وعزز المخاوف في أسواق النفط، إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على تسع سفن وثماني شركات مرتبطة بنقل النفط والمنتجات البترولية الإيرانية. ووفق بيانات “أوبك”، تعد إيران رابع أكبر منتج للنفط داخل المنظمة بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً، ما يفسر لماذا تتحول كل إشارة تصعيد ضد إيران إلى حركة سعرية فورية.

ورغم أن إيران ليست من كبار منتجي النفط، إذ تضخ نحو 3.4 ملايين برميل يومياً بحسب بيانات شركة “كلبر”، فإنّ هذا الرقم يظل متواضعاً مقارنة بالولايات المتحدة التي تنتج نحو 13.5 مليون برميل يومياً، والسعودية التي تضخ قرابة 9.5 ملايين برميل يومياً، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ومنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، إلّا أن أي تصعيد ضد إيران يهز أسواق الطاقة بقوة ويتحول إلى حركة سعرية فورية. وقالت كبيرة محللي السلع في بنك “آر بي سي كابيتال ماركتس”، هليما كروفت، إنّ “أسواق النفط تتحرك بدافع الخوف. الأمر يتعلق أساساً بالقلق من حدوث اضطرابات في الإمدادات”، بحسب “سي إن بي سي”، وأضافت: “إذا دخلنا في مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أدت إلى فقدان صادرات النفط الإيرانية، فلن يتبقى الكثير من الطاقة الفائضة لدى أوبك لتغطية هذا النقص”.

وعن سبب اهتزاز أسواق الطاقة رغم أن إيران ليست من كبار منتجي النفط قالت كروفت: “موقع إيران يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة عندما نفكر في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يعد نقطة اختناق رئيسية للنفط. وقد رأينا في السابق إيران وجماعات مدعومة منها تستهدف ناقلات نفط وبنية تحتية حيوية في منطقة الخليج”. ووفقاً لتقديرات مجموعة “رابيدان إنرجي”، فإنّ توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران، حتى مع رد إيراني محتمل، لا يرجح أن يؤدي تلقائياً إلى اضطراب فعلي في إمدادات النفط، وإن ظل هذا السيناريو قائماً. وأشارت شركة تحليل المخاطر الجيوسياسية إلى أن احتمال حدوث تعطل مستدام وحاد في إنتاج الطاقة وتدفّقها عبر المنطقة لا يتجاوز 20%، ما يعكس، في تقديرها، قدرة الأسواق حتى الآن على امتصاص الصدمات ما لم يتطور النزاع إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق.

وساعدت التوترات الممتدة من فنزويلا إلى إيران، إلى جانب اضطرابات في الإمدادات من كازاخستان، في دعم أسعار النفط منذ بداية العام 2026، وذلك بعد هبوط بنسبة 18% خلال عام 2025. وقالت شركة شيفرون إنّ الإنتاج من حقل تنجيز في كازاخستان، أحد أكبر حقول النفط في العالم، لم يُستأنف حتى الآن، وذلك بعدما أعلنت شركة تنجيزشيفرويل، المشغلة للحقل بقيادة شيفرون، إيقاف الإنتاج يوم الاثنين الماضي إثر اندلاع حريق.

سيناريوهات مخيفة

وقال المحلل الاقتصادي محمد أحمد منعم، في تحليل نشره على موقع “انفستنغ”، إنّ أي تصعيد عسكري واسع ضد إيران ينعكس عادة ارتفاعاً فورياً في أسعار النفط، مدفوعاً بمخاوف نقص الإمدادات، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أظهرت تحركات سريعة للأسعار تتراوح بين 3 و5 دولارات للبرميل فور اندلاع الضربات، كما حدث عقب استهداف منشآت إيرانية في يونيو/حزيران 2025. وأضاف أن مضيق هرمز يظل العامل الأكثر حساسية في معادلة التسعير، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، محذراً من أن أي تعطيل للمضيق قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة قد تتراوح، في السيناريوهات الأشد تطرفاً، بين 100 و300 دولار للبرميل.

ووفق تقييم شركة BCA للأبحاث، فإنّ أسواق النفط تواجه مسارين محتملين لاضطراب الإمدادات، يختلفان في درجة الحدة والتأثير، وإنْ كان كلاهما حاضراً في حسابات المتعاملين: المسار الأول يتمثل في “صدمة ضخمة”، مرجح حدوثه بنسبة  38%، ويرتبط تحققه بتطورات استثنائية، من بينها تصعيد عسكري واسع النطاق، أو انهيار مفاجئ في بنية الحكم داخل إيران، بما يؤدي إلى تعطل كبير وممتد في الإنتاج أو الصادرات، وترى الشركة أن أي صدمة من هذا النوع ستكون أعلى بكثير من المتوسط التاريخي للصدمات الجيوسياسية، مع تداعيات تضخمية واسعة قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي وتزيد مخاطر الدخول في ركود. وتشير الشركة إلى أن التحليل التاريخي يظهر أن الصدمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 3% خلال شهر و10% خلال ثلاثة أشهر.

ويتمثل المسار الثاني في سيناريو اضطراب محدود أو مؤقت في الإمدادات “صدمة طفيفة”، مرجح حدوثه بنسبة تقارب 40%، وقد يكون في شكل تشديد العقوبات، أو فرض عراقيل لوجستية جزئية، أو ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية دون انقطاع فعلي واسع في تدفقات النفط. وفي هذا الإطار، تتوقع الشركة ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، لكنه يظل ضمن نطاق يمكن للأسواق امتصاصه.

انتقال العدوى

ولا يقتصر انتقال الخوف إلى الأسواق على الطاقة والطيران وحدهما، وتتغذى سيناريوهات الذعر على سرديات “البجعة السوداء” التي تتبناها مؤسسات أبحاث وأسواق، لأنها تمنح المستثمرين إطاراً لاحتمالات الصدمة حتى إن كانت غير مرجحة. و”البجعة السوداء” فرضية تستخدم في السياسة والاقتصاد للحديث عن احتمال حدوث تطورات غير متوقعة تُنتج بالضرورة تأثيراً كارثياً أو جذرياً. ومع اتساع دائرة القطاعات المتأثرة، يصبح منطق “العدوى” هو أكثر ما يقلق الأسواق. وقال كبير الاقتصاديين في شركة “إنتراكتيف بروكرز”، خوسيه توريس، إنه يعتقد أن السندات والأسهم ستتعرضان لموجة بيع متزامنة، إذ قد تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى تغذية التضخم، ما يضغط على النمو الاقتصادي، كما أن ارتفاع التضخم قد يعني أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي ستكون لديه مساحة أقل لخفض أسعار الفائدة مستقبلاً، وهو عامل رئيسي دفع الأصول عالية المخاطر إلى الارتفاع خلال العام الماضي.

وقال توريس لموقع “بيزنس إنسايدر”: “بالتأكيد هناك مخاطر حدوث صدمة في أسعار النفط، خاصة مع دخول الأسهم عامها الثالث من المكاسب القوية جداً”، في إشارة إلى عامين متتاليين من المكاسب ذات الرقمين القياسيين لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، وأضاف كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين في BCA، مات غيرتكن: “الأسهم العالمية والأميركية معرضة لتصحيح في الأمد القريب، في ظل أوضاع تقييم مرتفعة وحالة تشبع شرائي، إلى جانب تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الوقت الراهن”.

هل ينفذ ترامب تهديده؟

وتوجد الآن حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن ومجموعة الهجوم التابعة لها في المحيط الهندي، ترافقها ثلاث مدمرات صواريخ موجهة من طراز أرلي بيرك، إضافة إلى مقاتلات إف-35 سي. ويقول خبراء إنّ حشد العتاد العسكري الأميركي في المنطقة يمنح ترامب مرونة أكبر، إلّا أن تحريك هذه الأصول في الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة توجيه ضربة عسكرية ضد إيران، بحسب “بلومبيرغ”. وترافق الحاملة ثلاث مدمرات صواريخ موجهة من طراز أرلي بيرك، هي: يو إس إس سبروانس، يو إس إس مايكل مورفي، ويو إس إس فرانك إي. بيترسن جونيور، وهي قادرة على حمل صواريخ توماهوك. ويضم الجناح الجوي للحاملة مقاتلات إف-35 سي.

وتشبه هذه الأصول العسكرية السفن التي نشرتها الولايات المتحدة في بحر الكاريبي قبل أسابيع من إطلاقها عملية عسكرية في 3 يناير الجاري لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقدرت شركة الاستشارات المتخصصة في المخاطر يوراسيا غروب احتمال تنفيذ ضربات أميركية وإسرائيلية ضد إيران قبل 30 إبريل/نيسان الماضي بنسبة 65%، استناداً إلى أن الجهود الدبلوماسية يُرجح أن تفشل. وفي المقابل، ترى شركة تحليل المخاطر الجيوسياسية “رابيدان إنرجي” أن احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة لإيران خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة يبلغ 70%.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى