الصحافة الإيرانية: ملامح لحرب مركبة ضد إيران

إن الحديث عن «صفقة جديدة بشأن إيران» بمشاركة تركيا، والجولاني، والولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، والحكام العرب، لا يعكس اتفاقًا محددًا بقدر ما يعبر عن نزعة بنيوية لاحتواء إيران من الخارج.

ميدل ايست نيوز: تشير مجمل التحولات الأخيرة، من سلوك إدارة ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي والمؤسسات الدولية، وصولًا إلى التحركات الإرهابية، وأعمال الشغب في المدن الإيرانية، وإعادة تموضع الفاعلين بالوكالة في محيط إيران، إلى دخول النظام الدولي مرحلة «اللاانتظام المنظّم». ففي هذه المرحلة، لم تعد المؤسسات ضامنة للاستقرار، بل تحوّلت إلى أدوات بيد القوى الكبرى.

وقال الخبير في العلاقات الدولية علي رحيم بور، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن تحليل مضامين مقالات منشورة في موقع «دبلوماسي إيراني» تحت عناوين من قبيل «بلاء ترامب على الناتو» و«انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية»، يظهر أن الولايات المتحدة، ولا سيما خلال الولاية الثانية لترامب، تجاوزت نهج التعددية واتجهت إلى توظيف انتقائي للمؤسسات الدولية.

فحلف الناتو لن يُحلّ، لكنه يتحوّل من تحالف دفاعي إلى أداة ضغط سياسي – عسكري. يمكن تعميم هذا المنطق على الشرق الأوسط، حيث تضعف المؤسسات بينما تتعزز الشبكات. وفي هذا الإطار، ينسجم ما بات يُعرف بـ«فخ الدبلوماسية في خدمة الحرب والإرهاب» تمامًا مع نمط الحروب بالوكالة في البحر الأحمر واليمن والسودان.

أما السلوك الإماراتي المتمثل في الانسحاب الظاهري من اليمن، فلا يعكس تراجعًا بقدر ما يدل على تغيير مستوى التدخل؛ أي الخروج من ساحة عسكرية عالية الكلفة إلى ميدان جيوسياسي واستخباراتي ولوجستي أقل كلفة. يتكرر هذا النموذج في السودان، والبحر الأحمر، وحتى في جنوب القوقاز.

وفي الوقت نفسه، فإن التخلي عن حزب العمال الكردستاني (PKK) واستبداله بـ«هيئة تحرير الشام»، إلى جانب نقل عناصر من تنظيم داعش وPKK إلى حدود العراق وبالقرب من إيران، يعكس إدارة دورة حياة الجماعات الإرهابية. فهذه الجماعات ليست أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل أدوات قابلة للاستهلاك، يتم التخلي عنها بسهولة عندما تنتهي فعاليتها.

ويمكن فهم أحداث الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل، تلتها عملية شغب استمرت ثلاثة أيام بمشاركة أنصار النظام الشاه وجماعات مرتبطة بالولايات المتحدة، في إطار مفهوم «الحرب المركبة الحضرية»؛ وهي حرب لا تهدف إلى السيطرة على الأرض، بل إلى استنزاف الثقة الاجتماعية وإيصال انطباع بانهيار منظومة الحكم. كما تندرج بيانات النفي الرسمية بشأن إغلاق السفارات الأجنبية، والتهويل الإعلامي المصاحب لها، ضمن هذه المعركة الإدراكية.

وعلى مستوى أوسع، فإن تكديس الجماعات المعادية لإيران في الغرب والشرق والشمال، والسعي لإيجاد وحدة قيادة بينها، إلى جانب تحريك باكو في جنوب القوقاز، والضغوط المتزامنة من الجنوب والغرب، يعكس تطويقًا أمنيًا شبكيًا. هذا التطويق يُنفَّذ من دون إعلان حرب، لكنه يفرض كلفًا أمنية مرتفعة.

كما يمكن قراءة التحركات الأميركية والأوروبية في غرينلاند، والتوتر مع كندا، في سياق عمليات إلهاء استراتيجية، تهدف إلى خلق تركيز إعلامي وتحليلي على مناطق بعيدة لتخفيف الحساسية تجاه الشرق الأوسط. ويتناقض هذا النهج مع منطق «عدم القدرة على التنبؤ» الذي يُطرح بوصفه أحد أهم عناصر الردع.

في المحصلة، إن الحديث عن «صفقة جديدة بشأن إيران» بمشاركة تركيا، والجولاني، والولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، والحكام العرب، لا يعكس اتفاقًا محددًا بقدر ما يعبر عن نزعة بنيوية لاحتواء إيران من الخارج. هذا الاحتواء، إذا ترافق مع أخطاء ناجمة عن تسييس الداخل، قد يكون مكلفًا. إذ تتحول السياسة إلى آفة للأمن القومي عندما تؤدي إلى تشويه إدراك التهديد وتعطيل القرار وجعل السلوك قابلًا للتنبؤ، بما يضحّي بالواقع لصالح السرديات، ويقوّض إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية صعبة لكنها ضرورية.

خلاصة القول إن إيران لا تواجه عدوًا واحدًا، بل تشكيلًا متحركًا من الضغوط: مؤسسية، ووكيلة، وإدراكية، وجيوسياسية.

السيناريو الأرجح هو استمرار ضغط استنزافي، لا حرب مباشرة. وهنا تكمن ميزة إيران لا في ردود الفعل المتوقعة، بل في إرباك حسابات الخصم، وتعزيز التماسك الداخلي، والفهم الدقيق للعبة الكبرى.

وفي ظل الضغوط المركبة والحرب الشبكية، ينبغي أن تتركز أولوية منظومة الحكم على اتخاذ قرارات عقلانية، وتجنب التسييس، والحفاظ على عدم القدرة على التنبؤ الاستراتيجي. كما يتعيّن على الساسة والقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية العمل بانسجام مؤسسي وتنسيق عابر للقطاعات، ومواجهة التهديدات الوكيلة والإدراكية والجيوسياسية في آن واحد، وبالشراكة مع المجتمع.

فميزة إيران لا تكمن في ردود الفعل الانفعالية، بل في إرباك حسابات الخصوم، وتعزيز القدرة على الصمود الداخلي، والفهم العميق لتوازنات القوة الكبرى.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى