الصحافة الإيرانية: إيران بين الائتلاف الإبراهيمي والائتلاف الإسلامي.. لاعب أم مراقب؟
ترتبط المصالح الاستراتيجية لإيران إلى حد كبير بعدم انخراط الرياض الكامل في فلك النظام الإبراهيمي، وباستمرار تذبذبها بين الائتلافات المتنافسة.

ميدل ايست نيوز: تصدرت إيران هذه الأيام عناوين العديد من وسائل الإعلام العالمية، لكن واقع موازين القوة في الشرق الأوسط لا يُكتب بالضرورة لمصلحة طهران. فالمسألة الأساسية لا تكمن في حجم الاهتمام الإعلامي بإيران، بل في نظام جديد يتشكل بهدوء وبصورة بنيوية ومن دون ضجيج؛ نظام قد يحوّل إيران، إذا لم يُفهم على نحو دقيق، من لاعب مؤثر إلى ملف قابل للإدارة من قبل الآخرين.
وقالت صحيفة اعتماد الإيرانية في تقرير لها، إن مستقبل الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط لا يتمحور حول دولة بعينها، بل يتحدد في إطار تنافس بين ائتلافين ناشئين: «الائتلاف الإبراهيمي» و«الائتلاف الإسلامي». ففي أحد جانبي المعادلة، يواصل الائتلاف الإبراهيمي، بقيادة إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ترسيخ موقعه، مستندًا إلى التفوق العسكري، والتكنولوجيا المتقدمة، والتقارب الأمني، والاندماج الاقتصادي، في مسعى لإعادة تصميم النظام الإقليمي بطريقة تهمّش عمدًا القضية الفلسطينية. يشير ارتباط هذا المحور بدول مثل اليونان والهند إلى أن الهدف لا يقتصر على احتواء إيران، بل يتجاوز ذلك إلى بناء هيكل أمني عابر للأقاليم يمتد من شرق المتوسط إلى منطقة الهندي–الهادئ، وينظم مسارات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا من دون الحاجة إلى إجماع إقليمي. وبالنسبة لإيران، لا يشكل هذا المحور تهديدًا أمنيًا فحسب، بل يمثل تحديًا جوهريًا لدورها التاريخي في جغرافيا الطاقة والترانزيت في غرب آسيا.
في المقابل، يتبلور ائتلاف إسلامي تقوده السعودية، بمشاركة تركيا وباكستان وقطر ومصر، ويتحرك بحذر، مقدّمًا نفسه كمدافع عن الاستقرار. ويرى هذا المحور أن التوجه الإسرائيلي–الإماراتي، من خلال تعميق الانقسامات، والتدخلات، واستعراض القوة، يدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار. ومع ذلك، فإن هذا الائتلاف لا يتطابق بالضرورة مع مصالح إيران، إذ يسعى إلى الحفاظ على «استقرار مضبوط» واحتواء أي لاعب يُنظر إليه بوصفه عامل إرباك، بما في ذلك إيران، ضمن إطار النظام الذي يفضله. وتتمثل النقطة المحورية في هذا الترتيب الجديد في اتساع الفجوة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة.
هذه الفجوة، على خلاف التحليلات التبسيطية، ليست شخصية ولا محصورة بملف اليمن، بل هي بنيوية ناتجة عن التنافس على زعامة المنطقة، ونموذج التنمية، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، ما يجعلها مرشحة للاستمرار. وبالنسبة لإيران، تمثل هذه الفجوة في آن واحد تهديدًا وفرصة: تهديدًا من حيث احتمال أن تقود إلى إعادة ترتيب أمني ضد طهران، وفرصة من حيث إتاحة كسر بعض التوافقات المعادية لإيران والاستفادة الدبلوماسية من الخلافات داخل المحاور الإقليمية. وفي هذا السياق، بدا دور الولايات المتحدة حتى الآن متفرقًا ويفتقر إلى الفاعلية.
غير أنه في حال قررت واشنطن الانخراط بفاعلية في تشكيل نظام الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد إيران، فإن الرئيس دونالد ترامب سيجد نفسه مضطرًا إلى الاختيار بين مصالح متعارضة داخل إدارته. فاستمرار السياسات الملتبسة والرسائل المتناقضة يزيد، أكثر من أي عامل آخر، من خطر الإقصاء التدريجي لإيران عن طاولة صنع القرار، وهو خطر ترى طهران أنه أكثر كلفة من المواجهة المباشرة.
وتكمن العقدة الأساسية في مسار تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. فبدون حد أدنى من الأفق السياسي للفلسطينيين، لن يكون هذا المسار مستدامًا ولا قادرًا على إنتاج إجماع. وأي تطبيع كامل وغير مشروط من شأنه أن يعزز محورًا عربيًا–عبريًا متماسكًا، بما يزيد من الضغط الجيوسياسي على إيران.
في المقابل، فإن تعليق هذا المسار أو التردد فيه يحافظ على هامش مناورة لطهران في المعادلات الإقليمية. في المحصلة، تبقى السعودية الدولة الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط؛ فلا الإمارات ولا تركيا ولا حتى إسرائيل تمتلك منفردة هذا الوزن في إعادة تعريف النظام الإقليمي. وترتبط المصالح الاستراتيجية لإيران إلى حد كبير بعدم انخراط الرياض الكامل في فلك النظام الإبراهيمي، وباستمرار تذبذبها بين الائتلافات المتنافسة. وهنا، لا يكمن الخيار العقلاني أمام طهران في الانكفاء ولا في التصعيد الأقصى، بل في اعتماد دبلوماسية نشطة وواقعية، تقوم على استثمار الشقوق البنيوية في المنطقة. والسؤال الجوهري لم يعد ما إذا كان نظام جديد للشرق الأوسط سيتشكل أم لا، بل ما إذا كانت إيران قادرة على تثبيت موقع لا غنى عنه ضمن هذا النظام، أم أنها ستُدفع إلى الهامش.



