الصحافة الإيرانية: طهران بين ضغوط الحرب وشروط التفاوض القاسية

تُظهر سلسلة الخطابين الإخباري والتحليلي السائدين هذه الأيام أن المعادلات الإقليمية والدولية لإيران تقف في الظروف الراهنة أمام مفترق طرق معقّد: «الحرب أم التفاوض».

ميدل ايست نيوز: تُظهر سلسلة الخطابين الإخباري والتحليلي السائدين هذه الأيام أن المعادلات الإقليمية والدولية لإيران تقف في الظروف الراهنة أمام مفترق طرق معقّد: «الحرب أم التفاوض». فمن جهة، لا تترتب على الحرب تبعات جسيمة وغير قابلة للتنبؤ على طهران وواشنطن فحسب، بل على المنطقة بأسرها، بما قد يؤثر بشدة في أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي والتوازنات السياسية في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، فإن نموذج المفاوضات الذي تطرحه الولايات المتحدة، بشروطه التي تقود عمليًا إلى تغييرات جوهرية في سياسات إيران وقدراتها، لا يختلف كثيرًا في نظر كثيرين في طهران عن الضغط العسكري. في هذا السياق، تتمثل المسألة الأساسية في الخيارات المتاحة أمام طهران، والمخرج من هذا المأزق.

تغيير فريق التفاوض هو الخطوة العاجلة لاحتواء التوتر

حذر الخبير في الشؤون الدولية علي بيغدلي بشكل جدي من الوضع الراهن في السياسة الخارجية الإيرانية، مؤكدا على مقولة محورية مفادها: «لم تُغلق كل الطرق بعد، لكن نافذة اتخاذ القرار تضيق بسرعة». ويرى الأستاذ الجامعي أن «الأزمة الحالية لم تعد تُقاس بالأسابيع أو الأشهر، بل دخلت مرحلة العدّ التنازلي اليومي»، وهو ما يضاعف ضرورة المراجعة الفورية لأسلوب إدارة الدبلوماسية في البلاد. يعتقد هذا المحلل في شؤون السياسة الخارجية أن «إحدى العقد الأساسية في الوضع الراهن تكمن في عجز بنية اتخاذ القرار الدبلوماسي، ولا سيما أداء عباس عراقجي (وزير الخارجية الإيراني) في الملفات الحساسة الأخيرة». ويؤكد بصراحة أن «سجل عراقجي، خصوصًا بعد تفعيل آلية الزناد والعجز عن احتواء تداعياتها، أظهر أن وزارة الخارجية بصيغتها الحالية، القائمة على دبلوماسية تويتر والاتصالات الهاتفية، لا تملك القدرة على إدارة الأزمة المعقّدة الراهنة». وبرأي بيغدلي، «المشكلة ليست مجرد خلاف سياسي أو جناحي، بل عجز عن تشخيص ملامح الأزمة الجديدة وافتقار إلى المبادرة الدبلوماسية».

ويشدد هذا الخبير على أنه «حتى لو كان قد جرى عمليًا، بعد عودة لاريجاني إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، نقل جزء من الصلاحيات من وزارة الخارجية إلى المجلس، فإن استمرار وجود عراقجي على رأس الملفات الدبلوماسية الحساسة لا يبعث برسالة مناسبة إلى الخارج، ويؤدي عمليًا إلى مزيد من تآكل قدرة إيران على التفاوض». وبناءً عليه، يرى أن «إقصاء عراقجي عن جميع الملفات الدبلوماسية الحساسة ليس قرارًا عاطفيًا، بل ضرورة عاجلة لتجميد الأزمة عند مستواها الحالي». ويطرح بيغدلي حلًا بديلًا يتمثل في «تشكيل فريق جديد، محدود، مرن ومتخصص بالكامل؛ فريق يعمل خارج البنية التقليدية لوزارة الخارجية، وبمهمة واضحة لإدارة الأزمة بشكل فوري». وبرأيه، «ينبغي أن يعمل هذا الفريق مباشرة تحت إشراف الجهات العليا، ولا سيما المجلس الأعلى للأمن القومي ورئاسة الجمهورية، وأن تكون مهمته الأساسية ليس التفاوض طويل الأمد، بل الاحتواء الفوري للتوتر ومنع تصاعد الأزمة».

ويحذر هذا المدرس الجامعي من أن «الاستمرار في المقاربات النمطية والاعتماد الحصري على نماذج السياسة الخارجية السابقة، في وقت تغيّرت فيه موازين القوى، قد يزج بالبلاد في مسار مكلف وغير قابل للسيطرة». ويعتبر بيغدلي أن «هذه المرحلة تتطلب عقلانية طارئة؛ عقلانية تعترف بأن الوقت ينفد بسرعة ولا مجال للتجربة والخطأ». وفي خلاصة موقفه، يؤكد أن «لا يمكن انتظار مرور الزمن، ولا القبول بقرارات متسرعة تفتقر إلى الغطاء الخبروي». ويرى أنه «إذا كان لا بد من خطوة لاحتواء الأزمة، فيجب أن تُتخذ الآن، وبإحداث تغيير حقيقي في الفريق وأسلوب إدارة الدبلوماسية، لأن الغد قد لا يترك أصلًا مجالًا للاختيار».

نافذة الدبلوماسية لم تُغلق بعد، لكن الوقت بات يُقاس بالأيام

يرى جاويد قربان‌ أوغلي، في حديثه لصحيفة «شرق»، أن الأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة «لم يعد من الممكن قياسها بمعيار الأسابيع أو الأشهر، بل أصبح وقت اتخاذ القرار يُقاس بالأيام». ومع ذلك، يؤكد أن «خلافًا للأجواء الإعلامية المتوترة، فإن نوافذ الدبلوماسية لم تُغلق بالكامل بعد، ويمكن عبر إدارة ذكية منع تصعيد التوتر، أو على الأقل تجميد الأزمة عند هذا المستوى». وبحسب السفير الإيراني السابق لدى جنوب أفريقيا، فإن «التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في المنطقة، بما في ذلك إرسال حاملات طائرات ومجموعات قتالية، تُعد في الغالب أداة لرفع القدرة التفاوضية لواشنطن أكثر من كونها مؤشرًا على قرار حاسم بالحرب». ويعتقد المدير العام السابق لدائرة أفريقيا في وزارة الخارجية أن «تقييم الأجهزة الاستخبارية والعسكرية الأمريكية يفيد بأن إيران تمر بمرحلة أضعف في ميزان القوى، وهو ما يدفع إدارة ترامب إلى السعي لانتزاع أقصى قدر من التنازلات». لكنه يذكّر بأن «حتى داخل النخب السياسية والأمنية الغربية توجد شكوك جدية بشأن عواقب الانخراط في حرب واسعة مع إيران». ويؤكد هذا المعلق في شؤون السياسة الخارجية أن «لا الولايات المتحدة ولا الدول العربية في المنطقة ترغب في مواجهة غير قابلة للضبط، لأن مثل هذه الحرب قد تُدخل المنطقة بأكملها في دوامة من عدم الاستقرار بتكاليف باهظة وغير قابلة للتنبؤ».

ومن هذا المنطلق، يرى قربان‌ أوغلي أن «الهدف الأساسي لترامب هو السعي إلى تحقيق مكاسب يمكن تقديمها بوصفها إنجازًا سياسيًا داخليًا». ومع ذلك، يحذر من «الاستهانة بطابع ترامب غير القابل للتنبؤ». ويقول الدبلوماسي السابق إن «إيران فقدت خلال الأشهر الماضية جزءًا من أوراق الضغط، والاعتماد الحصري على القدرة على إلحاق الضرر لا يُعد سياسة مستدامة». ويضيف أن «تجاوز مرحلة الردع الكلاسيكي والدخول في طور الضربات المحدودة زاد من تعقيد فضاء اتخاذ القرار ورفع احتمالات سوء التقدير». وفي الوقت نفسه، يعدد قربان‌ أوغلي عاملين أساسيين يحدّان من احتمال اندلاع حرب شاملة، موضحًا أن «إدراك الولايات المتحدة أن بدء الحرب لا يعني بالضرورة نهايتها لمصلحة واشنطن، فضلًا عن القلق الجدي لدى دول المنطقة من التداعيات الاقتصادية والأمنية لمواجهة شاملة، يشكلان عائقين أمام اندلاع حرب واسعة». ومع ذلك، يشدد على أن «صناعة السياسات يجب أن تقوم على أسوأ السيناريوهات، مع السير المتوازي في مساري الدفاع الفعّال والخروج الدبلوماسي».

وفي الملف النووي، يرى قربان‌ أوغلي «إمكانية إعادة تعريف خطاب إيران، والتأكيد على الالتزام بمعاهدة عدم الانتشار النووي، وحتى التفاوض بشأن إخراج المواد المخصبة مقابل امتيازات متبادلة». لكنه يتخذ موقفًا حاسمًا في ما يتعلق بالقدرات الصاروخية، رافضًا «أي قيود أحادية الجانب، إلا في إطار آلية إقليمية شاملة». ويختتم هذا الخبير موضحا أن «الحل يكمن في دبلوماسية نشطة واتخاذ قرارات فورية، لأن التأخير يرفع كلفة جميع الخيارات بشكل تصاعدي».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى