ما الدول العربية التي تعارض الهجوم الأمريكي على إيران؟
رغم عدم وجود تعاطف مع إيران في العواصم الخليجية، إلا أن ثمة خشية من أن تؤدي الضغوط المتزايدة على القيادة الإيرانية إلى ردود فعل غير محسوبة إزاء أي تحرك عسكري جديد.

ميدل ايست نيوز: شهدت الأسابيع الأخيرة تحركًا دبلوماسيًا نشطًا من جانب عُمان وقطر والسعودية ومصر، في مسعى لمنع تصعيد التوتر الإقليمي، وهو ما يعكس مستوى القلق السائد في المنطقة إزاء المخاطر السياسية واحتمالات اتساع دائرة عدم الاستقرار. ويُظهر نمط التصعيد المتكرر في كل جولة من جولات الصراع أن حالة عدم اليقين تتزايد بشأن الخطوط التي قد يتم تجاوزها لاحقًا، ولا سيما تلك المتعلقة باستهداف البنى التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية، مثل المصافي النفطية، فضلًا عن مخاطر حدوث اضطرابات جسيمة في حركة الملاحة في مياه الخليج وبالقرب من مضيق هرمز. ترى دول الخليج إن «الخطوط الحمراء» جرى انتهاكها أكثر من مرة، فيما تبدو الإجراءات الوقائية المعتمدة لتجنب الانجرار إلى الصراع غير كافية.
في هذا السياق، تناول كريستين أولريكسن، أستاذ جامعة رايس الأمريكية وعضو معهد بيكر، في مقال تحليلي مقاربة دول الخليج العربية للتوتر الأخير بين إيران والولايات المتحدة، مسلطًا الضوء على خلفيات المواقف الخليجية ودوافعها.
ويشير أولريكسن إلى أن التحركات الدبلوماسية التي قادتها عُمان وقطر والسعودية ومصر هدفت بالأساس إلى احتواء التصعيد، في ظل مخاوف إقليمية متزايدة من التداعيات السياسية والأمنية لأي مواجهة مفتوحة. ويلاحظ أن قادة دول الخليج تمكنوا، إلى حد بعيد، من تجنب التقلبات الحادة التي ميّزت أسلوب تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الحلفاء والخصوم على حد سواء. غير أن هذه الحالة، التي وصفها بـ«المنطقة الآمنة» والتي تعززت عبر التعاون التجاري والاستثماري خلال السنة الأولى من الولاية الرئاسية الثانية لترامب، باتت اليوم محكومة بواقع أكثر تعقيدًا، يتمثل في كون دول الخليج تقف في خط المواجهة الأمامي للتقلبات المتزايدة في العلاقات الأمريكية–الإيرانية.
ويستحضر الكاتب حرب الـ 12 يوماً التي اندلعت في يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران، وانتهت بضربة أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية، باعتبارها مثالًا بارزًا على تصاعد المخاطر. كما يشير إلى الهجمات الصاروخية المنفصلة التي نفذتها إيران وإسرائيل ضد قطر في يونيو وسبتمبر من العام نفسه، والتي كشفت مجتمعة عن حجم التحديات التي تواجه الحفاظ على الأمن والاستقرار في الخليج، وعن الكلفة المتزايدة للصراع المستمر على المستويات الإنسانية والسياسية والاقتصادية.
ويرى أولريكسن أن العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، في ظل تزايد عدم قابلية التنبؤ بسلوك البيت الأبيض، وظهور السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما بعد التدخل في فنزويلا، بمظهر يتسم بالاندفاع والمجازفة. يضيف أن درجة تقبل واشنطن لحالة عدم اليقين السياسي والجيوسياسي، سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي، تتعارض بشكل واضح مع استراتيجيات خفض المخاطر التي تعتمدها حكومات الخليج، خصوصًا السعودية، في وقت تشهد فيه المنطقة تنفيذ مشاريع اقتصادية وطاقوية كبرى تتطلب بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وفي هذا الإطار، يحذر الكاتب من أن أي صراع جديد أو طويل الأمد مع إيران قد يهدد مشاريع تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في كل من السعودية والإمارات. كما قد تتأثر الاستثمارات التي تُقدَّر بعدة تريليونات من الدولارات، والتي جرى التعهد بها خلال زيارة ترامب إلى ثلاث دول خليجية في مايو 2025، إضافة إلى الزيارات التي قام بها مسؤولون كبار إلى البيت الأبيض خلال السنة الأولى من ولايته.
ويلفت أولريكسن إلى أن الذكاء الاصطناعي بات سريعًا أحد المحاور الأساسية في السياسات السعودية، بالتوازي مع دخول «رؤية 2030» مراحلها النهائية، في حين جرى إدراج قطاع التعدين والمعادن الحيوية ضمن أولويات الاستثمار الاستراتيجي.
وبحسب الكاتب، تعكس الدعوات الخليجية المتكررة إلى تبني المسار الدبلوماسي مصدرين رئيسيين للقلق، رغم تأكيد محللين سعوديين أن هذه الدعوات لم تكن تستهدف ممارسة ضغط مباشر على البيت الأبيض. ويتمثل القلق الأول في الشكوك بشأن امتلاك إدارة ترامب خطة متماسكة تتجاوز خيار الضربات الجوية، إلى جانب الاعتقاد بأن التدخل العسكري لن يفضي إلى نتائج سياسية إيجابية. كما أن الرسائل المتناقضة التي صدرت عن الإدارة الأمريكية عقب الإطاحة بنيكولاس مادورو أسهمت في تعميق المخاوف من غياب «خطة لليوم التالي» لدى صناع القرار في واشنطن. ورغم عدم وجود تعاطف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العواصم الخليجية، إلا أن ثمة خشية من أن تؤدي الضغوط المتزايدة على القيادة الإيرانية، في ظل التهديدات والتصعيد والقمع الداخلي، إلى ردود فعل غير محسوبة إزاء أي تحرك عسكري جديد.
أما القلق الثاني، فيرتبط بتقدير دول الخليج بأن «الخطوط الحمراء» جرى تجاوزها مرارًا، وأن عتبة الانزلاق إلى حرب شاملة باتت تقترب مع كل تصعيد. فالهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024، ثم حرب يونيو التي استمرت اثني عشر يومًا، أبقت دول الخليج خارج دائرة المواجهة المباشرة خلال الأزمة، غير أن قرار إيران الرد على القصف الأمريكي لمنشآتها النووية في 22 يونيو، عبر استهداف قاعدة العديد الجوية في قطر، مقر القيادة المركزية الأمريكية، في اليوم التالي، شكّل تطورًا لافتًا من حيث استهداف أراضي دولة خليجية، حتى وإن جرى ذلك ضمن حسابات مدروسة، بخلاف الضربة الصاروخية الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة في سبتمبر.
ويخلص أولريكسن إلى أن نمط التصعيد المتكرر في كل جولة من جولات الصراع فاقم حالة عدم اليقين بشأن الخطوط التي قد تُنتهك مستقبلًا، بما يشمل استهداف البنى التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية، مثل المصافي، فضلًا عن المخاطر الجدية التي تهدد حركة الملاحة في الخليج العربي.
وتتعدد الأسباب التي تدفع مسؤولي مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودولًا أخرى في المنطقة إلى السعي لخفض التوتر مع إيران. فقد أبرزت التطورات الأخيرة في اليمن والقرن الإفريقي اهتمام السعودية بمنع مزيد من انهيار الدول وتفكك مراكز السلطة في مناطق تعد حيوية لأمنها. وفي الدوحة، لا يعي صناع القرار فقط مخاطر التعرض لهجمات جديدة على قطر، والتي ستكون الثالثة خلال أقل من عام، بل يدركون أيضًا أهمية توسيع طاقة تسييل الغاز الطبيعي في حقل الشمال، مع اقتراب استكمال المرحلة الأولى من المشروع.
وفي مسقط، أعلن مسؤولون عُمانيون مؤخرًا عن خطة تنمية خماسية جديدة، إلى جانب إطلاق مركز مالي دولي، في إطار جهود تنويع الاقتصاد الوطني. أما القيادة المصرية، فلا ترغب في أن تؤدي عودة عدم الاستقرار الإقليمي إلى إعاقة التعافي التدريجي لحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر والعبور عبر قناة السويس.
ويمتلك قادة دول الخليج، أدوات نفوذ معتبرة في تعاملهم مع إدارة ترامب، تشمل قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة مع البيت الأبيض. تشمل هذه القنوات علاقات مع شخصيات مؤثرة، مثل المستشارين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين شاركا في منتدى دافوس، إضافة إلى مسعد بولس. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن تسعى الإمارات إلى الحصول على توضيحات رسمية بشأن تصريح ترامب الصادر في 13 يناير، والذي أفاد بأن الدول التي تتعامل تجاريًا مع إيران ستواجه رسومًا جمركية جديدة بنسبة 25 في المئة، ولا سيما أن الإمارات تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين.
كما انضمت الإمارات وقطر في منتصف يناير إلى «إعلان باكس سيليكا»، في إطار مبادرة أمريكية تهدف إلى حماية سلاسل توريد التكنولوجيا ودمج الشركاء الأمريكيين في اتفاقيات عالمية للتكنولوجيا المتقدمة. مثل هذه الشبكات من الترابط الإيجابي توفر فرصًا لتحقيق مكاسب متبادلة للولايات المتحدة ودول الخليج، غير أنها تظل مرهونة بتوافر بيئة صنع قرار مستقرة وقابلة للتنبؤ، بما يضمن تحقيق أفضل النتائج الممكنة.
اقرأ المزيد
تسعة سيناريوهات سوداء… كيف يمكن أن تبدأ المواجهة الإيرانية الأميركية؟



