انسحابات وجدال سياسي في مهرجان فجر السينمائي الإيراني

ألقت الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها إيران بظلالها على الدورة الـ44 من مهرجان فجر السينمائي الذي يعد أكبر تظاهرة سينمائية في البلاد.

ميدل ايست نيوز: ألقت الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها إيران، وقُتل خلالها 3117 شخصاً وفق الإحصاءات الرسمية، بظلالها على الدورة الـ44 من مهرجان فجر السينمائي الذي يعد أكبر تظاهرة سينمائية في البلاد.

وقد تجلّى ذلك في انسحاب عدد من الفنانين والأفلام من المشاركة في التظاهرة. في الوقت نفسه، تواجه هذه الدورة تحديات أخرى جعلت منها دورة مختلفة هذا العام، غير أن المهرجان يواصل نشاطه بمشاركة أفلام وفنانين آخرين، إذ لم تبلغ المقاطعة حدّ تعطيله.

تُقام الدورة الـ44 من مهرجان فجر السينمائي على مدى عشرة أيام تزامناً مع احتفالات ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، خلال الفترة من الأول إلى 11 فبراير/ شباط. يُعرض هذا العام 33 فيلماً في قسم سينما إيران، ضمن 33 صالة سينمائية في طهران، من بينها 31 فيلماً في المسابقة الرسمية، وفيلمان خارج إطار المنافسة. وانطلقت فعاليات المهرجان السبت الماضي بحفل افتتاح بسيط، حضره عدد من الممثلين، من بينهم مهران غفوريان ومحيا دهقاني.

بهذا، تعود السجالات حول التظاهرة مجدداً، على غرار ما حدث في عام 2023 عقب احتجاجات 2022، إذ واجه المهرجان موجة انتقادات ودعوات إلى المقاطعة، لا سيما من فنانين إيرانيين مقيمين في الخارج، من بينهم حميد فرخ‌ نجاد وإحسان كرمي، مع اتهامات لمن يشارك فيه بـ”الخيانة للدماء” التي سالت في الاحتجاجات.

في هذا السياق، أعلنت الممثلة الإيرانية المعروفة، إلناز شاكر دوست، التي شاركت في عدد من الأفلام المعروضة هذه الدورة، انسحابها من المهرجان واعتزالها عالم السينما، وذلك عبر رسالة نشرتها على حسابها في منصة إنستغرام، كتبت فيها أنها لن تمثل بعد اليوم “على هذه الأرض التي تفوح منها رائحة الدم”.

وكان آخر ظهور سينمائي لشاكر دوست في فيلم “عروس جشمه” (عروس العين) للمخرج فريدون نجفي، وهو عمل كان مدرجاً ضمن قسم لعنقاء البلورية في الدورة الحالية. خلال الأيام الماضية، ترددت أنباء عن احتمال انسحاب الفيلم من المهرجان، قبل أن يُعلن رسمياً سحبه. يشارك في بطولة الفيلم محمد بحراني ودانيال جعفري ونيوشا أحمدي ولوزا رئيسي.

غير أن قرار إلناز شاكر دوست قوبل بانتقادات وجّهها المخرج بابك خواجه ‌باشا، مخرج فيلم “أرض الملائكة”، الذي قال: “نشهد اليوم وجود إلنازين: واحدة حضرت إلى المهرجان وأكدت تمسكها بفيلمها، وأخرى ودّعت السينما”. وأضاف، وفق ما نقلته وكالة إرنا الرسمية، أن “قاتل أطفالنا هو من يلعب بأطفال إيران بعلم السياسة”.

بدوره، أعلن سعيد زمانيان، كاتب فيلم “المهدئ” ومخرجه، انسحابه من المشاركة في التظاهرة، وكتب في رسالة نشرها على “إنستغرام” الخميس الماضي قال فيها إنه لن يشارك “احتراماً لكل الدماء التي سُفكت وذكرى الذين فقدوا حياتهم في الاحتجاجات الأخيرة”. وأعرب عن أمله في أن يُعرض الفيلم في وقت تكون فيه الأجواء العامة مهيأة لمشاهدة السينما.

وأكد زمانيان أن فيلمه أُنتج عام 2024 في ظروف صعبة وبتمويل خاص، وأنه أُرسل إلى أمانة المهرجان قبل اندلاع الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي واستمرت أسبوعين. يُذكر أن فيلم “المهدّئ”، من إخراج سعيد زمانيان وإنتاج مجتبى رشوند، أُدرج ضمن الأعمال المتنافسة في هذه الدورة. وكتب سيناريو الفيلم كل من سعيد زمانيان وبدرام بورأميري. وهذا العمل أول تجربة سينمائية طويلة لزمانيان بعد عدد من الأفلام القصيرة الناجحة.

وأعلن أحد كتّاب سيناريو فيلم “بيلبورد”، صالح علوي زاده، انسحابه من المهرجان، واصفاً إياه بأنه “مراسم كبرى لغسل الدم”. وقال في بيان نشره إن قضايا وأحداثاً أهم بكثير تجري في البلاد، معتبراً أن مهرجان فجر “لم يعد ذا أهمية”، ومؤكداً رفضه اعتبار نفسه جزءاً من هذا الحدث، ومعلناً انسحابه الشخصي من تحكيم سيناريو فيلمه.

في ردّه على انسحاب بعض الفنانين والأفلام، قال أمين عام الدورة الحالية من التظاهرة، منوچهر شاهسواري، خلال مؤتمر صحافي، إن الذين يمارسون ضغوطاً على الفنانين لعدم المشاركة “لا يدركون المسؤولية الحقيقية للفنان”. وأضاف أن “الفنان يثبت تضامنه مع الشعب من خلال حضوره الفاعل، لا عبر الغياب والانكفاء”.

عن دعوات المقاطعة، قال شاهسواري إنه لا يفهم معنى المقاطعة، متسائلاً عما “إذا كان من المنطقي أن يغلق الإنسان باب منزله ولا يعود إليه”، معتبراً أن “ترك المهنة والعمل لا يؤدي إلا إلى تسليمها للغاصبين”.

في السياق نفسه، أعلن الموسيقي والملحن والمغني سهراب بورناظري انسحابه من المشاركة بأعماله في المهرجان، وكتب في رسالة على “إنستغرام” أنه “حزين لسقوط أبناء الوطن”، معتبراً أن “المشاركة في أي احتفال في هذه الأيام السوداء تُمثّل امتهاناً لدماء الشباب، وجرحاً إضافياً في قلوب الأمهات والآباء المفجوعين في وطننا”. وكان مهرجان فجر قد أعلن سابقاً مشاركة أعمال 20 ملحناً، من بينهم بورناظري، في الأفلام المعروضة.

في المقابل، تحدثت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية عن “فشل مشروع المقاطعة”، وكتبت صحيفة همشهري التابعة لبلدية طهران أن مجريات التظاهرة تشير إلى “إخفاق المعارضين في تعطيله”، لافتة إلى إقبال الجمهور على الأفلام وارتفاع نسب بيع التذاكر، فضلاً عن مشاركة الفنانين في الفعاليات الجانبية.

وأفاد التلفزيون الإيراني، في تقرير بثه الثلاثاء، بأن موجة مواقف السينمائيين الرافضة لما وصفها بـ”التيارات المعادية للوطن” قد تسارعت بعد أربعة أيام من انطلاق المهرجان، مع تأكيد حضورهم العلني وتمييز مواقفهم بوضوح.

إلى جانب المقاطعة، يواجه مهرجان فجر السينمائي تحديات أخرى، أبرزها انقطاع الإنترنت وعدم استقراره. وقال شاهسواري إن القائمين على المهرجان حاولوا العودة إلى الأساليب التقليدية للتغلب على هذه المشكلة.

وأشار موقع “فرارو” الإصلاحي إلى تحد آخر يتمثل في التغييرات البنيوية التي طرأت على المهرجان هذا العام، من بينها إلغاء حفل الافتتاح، وإلغاء لجنة الاختيار، ونقل مقر المهرجان من برج ميلاد الشهير إلى مجمع “ملت” السينمائي. وأوضح شاهسواري أن إلغاء لجنة الاختيار كان قراراً محفوفاً بالمخاطر، مؤكداً تحمله المسؤولية الكاملة عن جميع الأفلام المشاركة، وأن أي خطأ محتمل يقع على عاتقه شخصياً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى