ماذا تكشف وثائق إبستين الجديدة عن صلاته بإيران؟

تكشف القراءة الدقيقة لرسائل البريد الإلكتروني وسجلات الرحلات الجوية والإفادات الموثقة عن وجود صلات بين إبستين وبعض الشخصيات الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: أدى نشر آلاف الصفحات من الوثائق الجديدة المتعلقة بقضية «جيفري إبستين» في فبراير 2026، في وقت بلغت فيه التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران ذروتها، إلى كشف طبقة خفية وأقل ظهورًا من شبكة أنشطة هذا المستثمر سيئ السمعة، المدان في قضايا جرائم جنسية والمتهم المتوفى في ملف الاتجار بالبشر.

وفي حين لا تزال العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام العالمية تركز على أسماء أمراء ورؤساء دول، تكشف القراءة الدقيقة لرسائل البريد الإلكتروني وسجلات الرحلات الجوية والإفادات الموثقة عن وجود صلات بين إبستين وبعض الشخصيات الإيرانية؛ صلات معقدة أدخلت على الخط شخصيات إيرانية-أميركية ثرية. ويُظهر هذا التقرير كيف انخرط إبستين، عند تقاطع الدبلوماسية السرية وسماسرة السلاح والأوليغارشية المالية، في ملف «إيران».

صلات مباشرة وتحليلات سياسية

من بين الكم الهائل من الرسائل الإلكترونية التي كُشف عنها، برز اسم “علي رضا اتحادية” بوصفه أحد الأشخاص الرئيسيين الذين كانت لديهم إمكانية وصول مباشرة وغير وسيطة إلى إبستين. وعلى خلاف كثيرين لم يُذكروا سوى كأسماء في دفتر عناوين إبستين، تُظهر مراسلات اتحادية أنه كان يتبادل مع إبستين آراء وتحليلات حول قضايا جيوسياسية كبرى تتعلق بإيران.

وفي إحدى الرسائل الإلكترونية المسرّبة، يقدم اتحادية تحليلًا دقيقًا للوضع السياسي في إيران بعد الانتخابات الرئاسية، ويكتب: «أنصار السيد روحاني يتوقعون أن يعزز فوزه بنسبة 57 في المئة من الأصوات جهوده للتفاعل مع الغرب».

كما يصف لإبستين أجواء شوارع طهران والهتافات التي رُفعت بشعار «باي باي رئيسي»، وينقل عن رجل الدين الإصلاحي “محمد تقي فاضل ميبدي” تحذيره من أن مستقبلًا قاتمًا ينتظر البلاد إذا لم يتمكن روحاني من تأمين الحريات المدنية. ويرد إبستين في رسالة قصيرة لكنها ذات دلالة استباقية قائلًا: «قلت لك إن هذا سيحدث. قبل أن تتحسن الأمور، ستسوء كثيرًا».

ولم تقتصر علاقة اتحادية بإبستين على التحليل السياسي. إذ تُظهر وثائق نشرتها صحيفة «تلغراف» أن اتحادية كان أيضًا وسيطًا لنقل أخبار خاصة تتعلق بالمشاهير. ففي إحدى الرسائل، يكتب إبستين بنبرة ودية إلى اتحادية: «بلّغ سلامي إلى ديفيد [كوبرفيلد]. لقد خطب كلوديا شيفر في جزيرتي».

ويُعد علي رضا اتحادية مؤسسًا ومديرًا تنفيذيًا لشركة Freestream Aircraft Limited، التي يقع مقرها الرئيسي في لندن، وتعمل في مجال شراء وبيع وتصميم وإدارة الطائرات الخاصة الفاخرة، مثل طائرات Gulfstream وBoeing Business Jets.

وتُظهر الرسائل المنشورة أن آخر المحادثات بين اتحادية وإبستين تعود إلى عام 2021، وتناولت شراء طائرة. غير أن طبيعة حواراتهما منذ عام 2018 اتخذت منحى مختلفًا، إذ انتهت الخلافات التي نشبت بينهما في ذلك العام فعليًا مرحلة الصداقة الجيدة بين الطرفين.

هل التقى أحمدي نجاد بإبستين؟

من بين أكثر الوثائق التي كُشف عنها غرابة، رسالة إلكترونية أرسلها عالم الأحياء التطوري المعروف روبرت تريفرز إلى جيفري إبستين عام 2018. وينتقد تريفرز في هذه الرسالة، وبنبرة ودية، نهج إبستين المتقلب في تعامله مع شخصيات مختلفة.

وجاء في جزء من الرسالة: «أمر آخر لافت فيك، ولا ينبغي أن يُساء فهمه لأننا لم نتحدث عنه بعد، هو أنك تتسم بطبيعة “متغيرة ومتعددة” تجاه شركائك السياسيين. فإذا اعتبرناك انعكاسًا لمن يحيطون بك، فأنت في الوقت نفسه اشتراكي راديكالي عندما تجالس فيديل كاسترو، وبالقدر ذاته تبدو إسلاميًا راديكاليًا حين يلتقي بك محمود أحمدي نجاد في نيويورك، مباشرة بعد خطاباته النارية ضد إسرائيل والصهاينة وربما عموم اليهود في الأمم المتحدة».

ولم يعلّق محمود أحمدي نجاد شخصيًا على هذه الوثيقة المسرّبة، إلا أن علي أكبر جوان فكر، مستشاره الإعلامي، نفى الأمر في حديث لموقع «دولت بهار» المحسوب على أحمدي نجاد.

المنزل رقم 69: أنشطة في عقار إيراني مُصادَر

ربما تكون الصلة الأكثر وضوحًا وملموسية بين إبستين والدولة الإيرانية هي مقر إقامته الغامض في نيويورك. فبحسب الوثائق الجديدة وشهادة ماريا فارمر، إحدى أبرز ضحايا القضية، كان إبستين ينشط لسنوات في قصر يقع في شارع إيست 69، كان مملوكًا للحكومة الإيرانية قبل ثورة عام 1979، ثم صادرته وزارة الخارجية الأميركية.

ووفقًا لوثائق وزارة العدل الأميركية (الصفحة 17)، قامت وزارة الخارجية الأميركية بتأجير هذا العقار إلى جيفري إبستين.

تصرّح ماريا فارمر في شهادتها: «كان يعيش في مكان كان سابقًا ملكًا دبلوماسيًا لإيران». والسؤال الذي يطرحه المحللون الأمنيون الآن: كيف استطاع مواطن عادي استئجار وإدارة عقار يخضع لحماية دبلوماسية مشددة ويقع ضمن قائمة الأملاك المصادرة بوزارة الخارجية الأمريكية؟

وتكشف التحقيقات الأكثر عمقًا أن إبستين ورث البنية التحتية اللوجستية والمالية التي كانت تُستخدم في الثمانينيات للمعاملات السرية مع إيران في فضيحة إيران-كونترا.

وكان أحد الركائز الأساسية لقضية إيران-كونترا يتمثل في الحاجة إلى نقل مبالغ مالية ضخمة دون لفت انتباه النظام المصرفي الرسمي. وكان إبستين، الذي عمل سابقًا في قسم «المنتجات الخاصة» واستراتيجيات الضرائب في بنك الاستثمار «بير ستيرنز»، يمتلك المهارات التقنية اللازمة لإنشاء هياكل مالية معقدة خارج الحدود. وقد قدّم نفسه كخبير في «استرداد الأموال المختلسة» و«مساعدة المختلسين على إخفاء أموالهم»؛ وصف يتوافق تمامًا مع احتياجات الجهات الحكومية وشبه الحكومية في الأسواق السوداء للأسلحة.

وأهم وأوضح دليل على ارتباط إبستين بقضية إيران-كونترا هو علاقته العملية والمالية بعدنان خاشقجي، الملياردير السعودي وسمسار الأسلحة، الذي كان شخصية محورية في قضية مكفارلين وبيع الأسلحة لإيران. فقد كان هو من أنشأ الجسر المالي بين إسرائيل، المزود الأول للأسلحة من مخازنه، وإيران، من خلال التمويل المبدئي وضمان المدفوعات.

الارتباط بشخصية إيرانية بارزة في وادي السيليكون

ومن بين الوثائق الجديدة التي أُزيلت عنها التصنيفات، يبرز اسم سالار كمانغر، المدير التنفيذي السابق ليوتيوب وأحد كبار المسؤولين الإيرانيين-الأميركيين في جوجل. وتعود هذه اللقاءات بشكل رئيسي إلى الفترة بين 2011 و2017، حين كان إبستين يسعى للعودة إلى دوائر النخبة التكنولوجية والعلمية.

وتشير الوثائق المسربة إلى أن إبستين حاول التواصل مع شخصيات مؤثرة في عالم التكنولوجيا للاستفادة من سمعتهم لإعادة بناء صورته أو للمشاركة في مشاريعهم. ولم تُنشر أي تهمة رسمية أو دليل على أن سالار كمانغر شارك في أنشطة إبستين الإجرامية، ويبدو أن العلاقة اقتصرت على لقاءات عمل أو شبكات اجتماعية متعارف عليها بين الأثرياء.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى