الصحافة الإيرانية: المفاوضات النووية في حالة الغموض
أسهمت تصريحات عراقجي في حديثه مع قناة الجزيرة بشأن التخصيب بوصفه «حقاً ثابتاً لنا» وعدم التفاوض حول البرنامج الصاروخي في توضيح موقف إيران بشكل أكبر.

ميدل ايست نيوز: لا تزال نتائج مفاوضات مسقط محاطة بالغموض. ففي وقت لم يدلِ فيه المسؤولون الأمريكيون، حتى هذه الساعة، بتصريحات جوهرية بشأن مضمون المباحثات، يمكن استخلاص نتيجة من تصريحات عباس عراقجي مفادها أن العمل اقتصر في الغالب على «نقل وجهات النظر»، وأنه تقرر «إجراء مشاورات في العواصم واتخاذ قرار بشأن كيفية مواصلة المسار». وقد يعني هذا الطرح استمرار الخلاف وعدم الدخول في تفاصيل المضمون. كما تحدث عراقجي عن الحاجة إلى إعداد «إطار متفق عليه لهذه الحوارات والموضوعات القابلة للطرح في الجلسات المقبلة»، وهو ما يعكس اختلاف المقاربات بين إيران والولايات المتحدة. وبالنظر إلى معرفتنا بترامب، فإنه لا يتوقع مفاوضات طويلة ولا اتفاقاً تفصيلياً مليئاً بالتفاصيل على غرار اتفاق خطة العمل المشتركة الشاملة الذي بلغ 159 صفحة. كما أن تصريحات وزير خارجية سلطنة عمان بأن المفاوضات كانت تهدف إلى «توضيح أفكار الطرفين والمجالات التي يمكن تحقيق تقدم فيها» تشير إلى أن المباحثات جرت في إطار تمهيدي.
وقال الدبلوماسي الإيراني السابق، كوروش أحمدي، في مقال لصحيفة شرق، إنه قد أسهمت تصريحات عراقجي في حديثه مع قناة الجزيرة بشأن التخصيب بوصفه «حقاً ثابتاً لنا» وعدم التفاوض حول البرنامج الصاروخي في توضيح موقف إيران بشكل أكبر. بالتالي، يمكن اعتبار أن الأمر من جانب إيران قد حُسم، ويبقى السؤال ما إذا كان ترامب سيقبل شروط إيران أم لا. وبعبارة أخرى، عادت المفاوضات مرة أخرى إلى منطق «واحد صفر» وربح طرف وخسارة طرف آخر، كما حدث في مفاوضات الربيع الماضي. غير أن رد فعل ترامب، في حدوده الحالية، ليس واضحاً بما يكفي، ومع الأخذ في الاعتبار أساليبه اللغوية المعتادة، ينبغي انتظار رد مفصل منه ومن المسؤولين الأمريكيين الآخرين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الأخذ في الاعتبار أن ظروف هذه الجولة من المفاوضات كانت أكثر صعوبة من ظروف مفاوضات الربيع الماضي للأسباب التالية:
1- جرت مفاوضات مسقط في ظل ثقل ظل حرب استمرت 12 يوماً. وكان حشد القوات في المنطقة ومتابعة أطروحة «التهديد العسكري الموثوق» بوصفها مكملاً للمفاوضات من جانب ترامب واضحاً. كما كان حضور قائد القيادة المركزية الأمريكية في الفريق الأمريكي، وهو أمر غير مألوف تماماً في التقاليد الدبلوماسية الأمريكية، جديراً بالاهتمام. وقد يشير وجود هذا المسؤول العسكري إلى تأكيد الولايات المتحدة على الملفات الإقليمية وجماعات المقاومة والحوثيين والبرنامج الصاروخي الإيراني. ومن جهة أخرى، كشفت إيران عشية المفاوضات عن الصاروخ القوي «خرمشهر 4»، في خطوة اعتُبرت رداً على التهديدات العسكرية الأمريكية ودليلاً على عدم استعدادها للتفاوض بشأن البرنامج الصاروخي، فضلاً عن استعدادها للرد بالمثل.
2- تمثل المشكلة الأخرى في هذه الجولة من المفاوضات في اختلاف الظروف بالنسبة لإيران بشكل كبير. في ربيع العام الماضي كانت مراكز التخصيب في إيران نشطة، وكانت بمثابة ورقة ضغط مهمة بيد طهران. إضافة إلى ذلك، كانت إيران في ذلك الوقت تعيش وضعاً مختلفاً من حيث الظروف الداخلية والاقتصادية. وقد تكون تطورات الأشهر الثمانية الماضية قد خلقت لدى الطرف المقابل تصوراً إشكالياً مفاده أنه يمتلك هذه المرة أوراق ضغط أكثر، بينما تمتلك إيران أوراقاً أقل.
3- كما أن الموضوعات التي كان ينبغي طرحها في المفاوضات كانت هذه المرة محل خلاف جدي، خلافاً لمفاوضات الربيع الماضي. ففي السابق كان هناك توافق على أن التخصيب وحده هو موضوع البحث، لكن هذه المرة تغيّرت الظروف على الأقل منذ 16 يناير مع تصريحات ويتكوف. فقد تحدث عن ضرورة التفاوض بشأن التخصيب، واليورانيوم المخصب، والصواريخ، و«الجماعات الوكيلة». وقبل يوم واحد من المفاوضات، اعتبر وزير الخارجية الأمريكي جميع هذه الموضوعات، إضافة إلى موضوع جديد هو كيفية تعامل الحكومة الإيرانية مع شعبها، ضمن ملفات التفاوض. وقال عراقجي في ختام مفاوضات مسقط: «موضوع حواراتنا نووي حصراً، ولا نتفاوض مع الأمريكيين بشأن أي موضوع آخر». وقد أثّر هذا الخلاف حول الموضوعات سلباً في أجواء المفاوضات.
4- تمثلت مشكلة أخرى في شكل المفاوضات التي، بحسب عراقجي، جرت «بشكل غير مباشر»، حيث تولى وزير خارجية سلطنة عمان «نقل حديث ورسائل الطرفين» إلى بعضهما البعض، وهو ما كان موجوداً أيضاً في مفاوضات الربيع الماضي. فالتفاوض غير المباشر، بسبب عدم إتاحته إقامة علاقة إنسانية مباشرة، ونقل الرسائل عبر وسيط قد لا يكون متقناً لعمله، وصعوبة الفهم المتبادل، إضافة إلى استغراقه وقتاً طويلاً، يعد عملية مرهقة للغاية.
غير أن بعض وكالات الأنباء ادعت أن المفاوضات جرت عملياً بشكل مباشر، وإذا صح ذلك، فإن مجرد إدارة العملية ونشر الأخبار وعدم وجود صورة لاجتماع مشترك، والاكتفاء بنشر صور منفصلة للوفدين الإيراني والأمريكي مع وزير خارجية عمان، كان يمكن بحد ذاته أن يكون مصدر حساسية وتوتر.
5- أسهمت التصريحات الإيجابية لعراقجي، الذي تحدث عن «بداية جيدة» و«أجواء جيدة جداً» و«استمرار العمل»، في بث الأمل. لكن ينبغي أخذ حقيقة أن المسؤولين الإيرانيين اعتادوا، منذ فترة الوزير الراحل أمير عبد اللهيان، على إطلاق تصريحات إيجابية بعد كل جولة مفاوضات، إذ يدركون أنه بالنظر إلى الأوضاع الداخلية وظروف الأسواق يجب السعي إلى الحفاظ على الأمل في المجتمع والاقتصاد.



