لماذا ترفض طهران نقل اليورانيوم إلى خارج البلاد؟

خلال السنوات الماضية، كان مقترح نقل اليورانيوم إلى خارج إيران أحد الخيارات المطروحة دائماً في المفاوضات، إلا أن تجربة المفاوضات السابقة جعلت صانعي القرار الإيرانيين أكثر حذراً تجاه هذا الخيار.

ميدل ايست نيوز: تشير التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن رفض نقل اليورانيوم إلى خارج إيران والرفض القاطع لمقترح تصفير التخصيب إلى تشكّل إطار جديد في الاستراتيجية النووية الإيرانية؛ إطار لا يسعى إلى تكرار تجربة اتفاقية 2015.

وفي وقت يعود فيه ملف المفاوضات النووية إلى واجهة الاهتمام، يمكن اعتبار المواقف التي طرحها عباس عراقجي مؤشراً على ترسيخ خط استراتيجي في السياسة النووية الإيرانية؛ خط يحاول تحقيق توازن بين المرونة التكتيكية والحفاظ على المبادئ العامة للبرنامج النووي. ويعكس التأكيد على رفض نقل اليورانيوم إلى خارج البلاد رؤية تعتبر أن مخزونات اليورانيوم المخصب بالنسبة لطهران ليست مجرد أصول تقنية أو صناعية، بل جزءاً من أدوات القوة في المعادلات السياسية والأمنية. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار إخراج هذه المخزونات من إيران بمثابة تقليص ملموس لقدرة إيران على المناورة في المفاوضات، لأنه يفقدها جزءاً من قابلية البرنامج النووي للعودة إلى مستويات نشاط أعلى.

وخلال السنوات الماضية، كان مقترح نقل اليورانيوم إلى خارج إيران أحد الخيارات المطروحة دائماً في المفاوضات، إلا أن تجربة المفاوضات السابقة جعلت صانعي القرار الإيرانيين أكثر حذراً تجاه هذا الخيار. ترى طهران أن الاحتفاظ بالمواد النووية داخل البلاد، إضافة إلى الحفاظ على الاستقلال الفني، يتيح إمكانية العودة بسرعة أكبر إلى مستويات النشاط السابقة في حال تغير الظروف السياسية أو فشل الاتفاق. ولذلك يمكن اعتبار رفض إخراج اليورانيوم جزءاً من مساعي إيران لمنع تكرار سيناريوهات تؤدي إلى تقليص القدرات النووية بشكل غير قابل للعودة.

وبالتوازي مع هذا الموقف، يشير إعلان الاستعداد لخفض مستوى التخصيب إلى أن طهران لا تزال تسعى إلى إبقاء مسار التفاوض مفتوحاً، لكن هذه المرونة تُعرّف ضمن إطار محدد. ووفق هذا النهج، ينبغي الحفاظ على مبدأ التخصيب بوصفه حقاً وقدرة استراتيجية، في حين يمكن ضبط مستواه ونطاقه في إطار اتفاق يهدف إلى بناء الثقة المتبادلة. ويعني هذا النهج عملياً الابتعاد عن نموذج «التوقف الكامل» والانتقال إلى نموذج «إدارة مستوى النشاط»؛ نموذج يسمح بتقديم تنازلات محدودة، لكنه يُبقي البنية التحتية التقنية للبرنامج النووي دون مساس.

ويمكن تحليل هذا التحول في النهج في سياق تجارب إيران السابقة في المفاوضات النووية. فمن منظور مؤسسات الحكم، يُنظر إلى التوقف الكامل أو تصفير التخصيب على أنه فقدان جزء مهم من القدرات التكنولوجية للبلاد وزيادة الاعتماد على الخارج. ولهذا السبب، حتى في ظل الضغوط الاقتصادية أو السياسية، تظل الأولوية الاستراتيجية الحفاظ على حد أدنى من نشاط التخصيب، حتى وإن جرى خفض مستواه. كما يتيح هذا النهج لإيران مرونة أكبر في إعادة بناء قدراتها النووية في حال تغير الظروف الدولية.

وفي هذا السياق، لا تزال تجربة اتفاقية 2015 النووية تلعب دوراً مهماً في تشكيل رؤية صناع القرار الإيرانيين الحالية. ففي ذلك الاتفاق، وافقت إيران على تعليق الأنشطة المرتبطة بالتخصيب بصورة طوعية ومؤقتة، لكن تطورات لاحقة جعلت هذه التجربة تُفسَّر داخل إيران بوصفها نموذجاً لتقديم تنازلات من دون الحصول على ضمانات كافية. وفي الذاكرة السياسية للجمهورية الإسلامية، سُجل عام 2015 باعتباره مرحلة لم يؤد فيها تعليق الأنشطة إلى حل كامل للخلافات، بل أدى أيضاً إلى تصاعد مطالب الطرف الآخر.

وعلى هذا الأساس، تشير المؤشرات الحالية إلى أن طهران لا ترغب في تكرار نموذج التعليق الكامل، حتى ولو بصورة مؤقتة. ويركز النهج الحالي بشكل أكبر على خفض مستوى النشاط، وتنظيم سقف الإنتاج، أو فرض قيود تقنية قابلة للعودة، وليس وقف البنية التحتية للتخصيب بشكل كامل. وبعبارة أخرى، يتمثل الفرق الأساسي في أن إيران تحاول في النموذج الحالي الحفاظ على السيطرة الكاملة على الدورة النووية، حتى وإن جرى تقييد جزء من الأنشطة ضمن إطار اتفاق.

وتظهر المواقف المطروحة أن إيران تسعى إلى تعريف إطار تفاوضي يسمح بإمكانية التوصل إلى اتفاق، من دون أن يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه فقدان للقدرات الاستراتيجية. يمكن اعتبار رفض نقل اليورانيوم وعدم قبول التوقف الكامل للتخصيب ركيزتين أساسيتين لهذا الإطار؛ إطار يهدف إلى إدارة الضغوط الخارجية بالتوازي مع الحفاظ على البنية التحتية الأساسية للبرنامج النووي، ويُظهر في الوقت نفسه أن تجربة الاتفاق النووي لا تزال إحدى النقاط المرجعية في الحسابات الاستراتيجية لطهران.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى