معضلة ترامب بين التصعيد والتفاوض: هل يغيّر الاستراتيجية أم يناور لكسب الوقت؟

من منظور استراتيجي أميركي، فإن مسألة الرفع الكامل للعقوبات لا ترتبط فقط بالملف النووي، بل بمجمل الخلافات العميقة مع الجمهورية الإسلامية؛ وهي خلافات لا يمكن حلها دفعة واحدة.

ميدل ايست نيوز: تحمل تصريحات ترامب الأخيرة بشأن مفاوضات مسقط طبقتين متناقضتين؛ فهو يتحدث من جهة عن «تقدم»، ومن جهة أخرى يرفع مستوى الضغط باستخدام الأدوات الاقتصادية والعسكرية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الهدوء الظاهري للرئيس الأميركي مؤشر على تغيير في الاستراتيجية، أم مجرد تكتيك لانتزاع تنازلات أكبر على طاولة المفاوضات؟

أبدى الرئيس الأميركي ردة فعل متعددة الأبعاد تجاه مفاوضات مسقط؛ فمن جهة وصف المحادثات بأنها «جيدة جداً» في تصريحات امتزجت بالوعود والتهديدات، ومن جهة أخرى وقّع في الوقت نفسه أمراً تنفيذياً بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الشركاء التجاريين لإيران.

وكتبت صحيفة «خراسان» الإيرانية أنه إذا افترضنا أن وصف «جيدة جداً» يعكس واقع المفاوضات، فإن إصدار هذا الأمر التنفيذي واستمرار لغة التهديد من جانب ترامب يبدو متناقضاً ظاهرياً، لكنه في جوهره يمكن تفسيره على أنه نتاج تصور مفاده أن زيادة الضغط تؤدي إلى انتزاع تنازلات أكبر على طاولة المفاوضات. كما يمكن تحليل تصريحاته التي قال فيها إن إيران باتت اليوم أكثر استعداداً لتقديم تنازلات مقارنة بالفترة السابقة للحرب ضمن الإطار نفسه.

ويمكن وصف النهج الحالي لترامب تجاه إيران بأنه نوع من «الدبلوماسية العسكرية»؛ فمن الحرب نفسها إلى إرسال المزيد من القطع البحرية إلى المنطقة، وحتى حضور قائد القيادة المركزية الأميركية في الجولة الجديدة من محادثات مسقط، كلها مؤشرات على هذه الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن نقطتين في تصريحات ترامب الأخيرة تستحقان التأمل: الأولى أنه قال إنه غير مستعجل على التفاوض، والثانية أنه أعلن أنه لا مشكلة لديه في حصر المفاوضات في الملف النووي. للوهلة الأولى قد تُعد هذه المواقف مؤشراً على تراجع، لكنها في العمق قد تكون مجرد تكتيك.

إن قول ترامب إنه غير مستعجل، وإشارته إلى تجربة فنزويلا لتفسير سلوكه، أو قبوله التفاوض حالياً حول الملف النووي فقط، إذا ما نُظر إليه بعين متشائمة، قد يشكل غطاءً دبلوماسياً لشراء الوقت؛ وقت ربما يُستغل لاستكمال الاستعدادات الاستخبارية والعسكرية والأمنية لسيناريو الحرب. في المقابل، إذا نظرنا إلى الأمر بتفاؤل، فقد يكون هذا السلوك محاولة للخروج الهادئ والأقل كلفة من «مأزق» وعد الهجوم الذي طرحه ترامب سابقاً، لكنه بات يخشى أن يؤدي إلى حرب غير قابلة للسيطرة.

وبغض النظر عن الدوافع الحقيقية لترامب، يبقى السؤال الرئيسي: هل قبول التفاوض حول الملف النووي فقط يعني أن واشنطن تراجعت عن مطالبها بشأن البرنامج الصاروخي والسياسات الإقليمية لإيران؟ الجواب هو لا.

تشكل تجربة غزة مثالاً واضحاً في هذا السياق. ففي المفاوضات مع حركة حماس، ركز ترامب اهتمامه الأساسي على قضية تصنع صورة سياسية له: إطلاق سراح الرهائن. لذلك قبِل باتفاق يتمحور حول وقف الحرب وإطلاق الرهائن دون نزع سلاح حماس. في تلك المرحلة، لم يُطرح موضوع نزع السلاح بجدية في المفاوضات، ولم يكن شرطاً للاتفاق، ولم تقبل به حماس، رغم الحديث عنه في وسائل الإعلام. واليوم يجري السعي إلى ربط إعادة إعمار غزة بنزع سلاح حماس. ورغم أن ملف غزة يختلف في بعض جوانبه عن إيران، فإن منطق سلوك ترامب يبدو متشابهاً.

وفي التعامل مع إيران أيضاً، يشكل الملف «النووي» حالياً أهم قضية لصناعة الصورة السياسية بالنسبة لترامب، وليس إسرائيل. وقد يتبع النهج التدريجي نفسه: أولاً محاولة تحويل الحد الأقصى من المكاسب في الملف النووي إلى واقع ملموس، ثم إما ربطها بقضايا أخرى قبيل الاتفاق النهائي، أو بعد التوصل إلى اتفاق ربط تنفيذ رفع العقوبات بمفاوضات حول البرنامج الصاروخي والسياسات الإقليمية.

ومن جهة أخرى، فإن قبول التفاوض حول الملف النووي فقط لا يعني سهولة الوصول إلى اتفاق في هذا المجال. قد يسهم هذا النهج في بلورة إطار تفاوضي واستمرار الحوار، لكنه على الأرجح لن يدفع ترامب إلى قبول اتفاق من دون تحقيق مطالبه الأساسية التي تصنع له صورة «الرابح». من بين هذه المطالب تصفير التخصيب، وإخراج مخزونات اليورانيوم المخصب، وفرض قيود صارمة. وحتى إذا افترضنا أن عقد المفاوضات يمكن حله بحلول مثل وقف مؤقت للتخصيب أو تأكيد نظري على حق التخصيب، وهو أمر غير مرجح، ينبغي الانتباه إلى أن الوجه الآخر لقول ترامب إن إيران «يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً أبداً» يعني عملياً أنها «يجب ألا تمتلك حق التخصيب أبداً».

في الختام، حتى إذا تم التوصل إلى اتفاق في الملف النووي، يبقى السؤال الجوهري: هل سيقدم ترامب مقابل ذلك مكاسب حقيقية وشاملة لإيران في مجال رفع العقوبات؟ من المحتمل أن تُقدم وعود مكتوبة على المستوى النظري، لكن من غير المرجح أن تُرفع العقوبات بالكامل وبشكل فعّال. والنموذج المرجح لدى ترامب هو الحصول على تنازلات نقدية مقابل تقديم تنازلات مؤجلة.

من منظور استراتيجي أميركي، فإن مسألة الرفع الكامل للعقوبات لا ترتبط فقط بالملف النووي، بل بمجمل الخلافات العميقة مع الجمهورية الإسلامية؛ وهي خلافات لا يمكن حلها دفعة واحدة. خلاصة القول إن الوضع شديد التعقيد، ولا يبدو في الوقت الراهن أفق واضح لاتفاق مستدام يحقق مكاسب متبادلة ويستبعد الخيار العسكري.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى