هل تعكس زيارة لاريجاني لمسقط تقدما في المفاوضات مع واشنطن؟

بعد أيام قليلة فقط من استضافة سلطنة عُمان مباحثات إيرانية أميركية، وصل إليها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، صباح اليوم الثلاثاء، مما يرسم علامة استفهام كبيرة عن الأجندة التي يحملها بجعبته إلى الجارة الجنوبية.

ميدل ايست نيوز: بعد أيام قليلة فقط من استضافة سلطنة عُمان مباحثات إيرانية أميركية، وصل إليها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، صباح اليوم الثلاثاء، في زيارة هي الأولى منذ توليه منصبه، مما يرسم علامة استفهام كبيرة عن الأجندة التي يحملها بجعبته إلى الجارة الجنوبية.

وفي توقيت دقيق وحساس، وعلى وقع قرع طبول الحرب في المنطقة، تأتي الزيارة قبل أيام معدودة من استضافة مسقط جولة جديدة من مباحثات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، مما يحمل دلالات هيكلية عميقة تتجاوز الاعتبارات الشكلية، انطلاقا من الفرق الجوهري بين الدور الذي تلعبه المؤسستين.

وإلى جانب الدور الذي طالما لعبته وزارة الخارجية الإيرانية في المفاوضات مع الجانب الأميركي، تسلط زيارة لاريجاني هذه المرة الضوء على الدور الذي يضطلع به المجلس الأعلى للأمن القومي المنتمي إلى دائرة صنع القرار السيادي، مما يحولها إلى مفتاح لفهم مهمة السياسي المخضرم في مسقط.

أهمية الزيارة

بعد أيام من عودة الوفدين الإيراني والأمريكي إلى عواصمهما لإجراء مشاورات حول الأفكار المتبادلة بينهما عبر وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، يدخل لاريجاني على خط الملف المعقد، ليبعث رسالة واضحة عن جدية طهران في حلحلة الملفات المعقدة، وذلك للصلاحيات الواسعة التي تخوله اتخاذ قرارات ملزمة في اللحظة المناسبة، وفق مراقبين.

وفي السياق، يرى الكاتب الإيراني حميد شجاعي، في زيارة لاريجاني إلى مسقط، مؤشرا على إرادة طهران للتعامل مع المحادثات الجارية، وأن النقاش قد انتقل من دائرة “الكيفية” التفصيلية إلى ساحة “السياسات العليا” ومبادئها الكبرى، مما يمنح أي تفاهم محتمل زخما وسقفا أعلى.

وفي تعليق نشره بصحيفة “آرمان ملي” الناطقة بالفارسية، يعتبر الكاتب زيارة لاريجاني علامة إيجابية على تقدم المسار التفاوضي، وليس مجرد استبدال أسماء، فانتقال الملف من مستوى الدبلوماسيين التنفيذيين إلى مستوى صناع القرار السياديين يعني ضمنيا أن المفاوضات السابقة أثمرت تقدما ملموسا أو خلقت أرضية كافية لبدء مرحلة أكثر مصيرية.

وانطلاقا من رغبة الجانب الإيراني في اختصار الطريق وطرح رؤيته الحاكمة مباشرة، يعتقد شجاعي أن اختيار لاريجاني للقيام بهذه المهمة يحمل رسائل مشفرة متعددة المستويات، أبرزها موجهة إلى واشنطن؛ إذ يُفهم من الحضور على هذا المستوى الرفيع أن طهران تتعامل مع ملف المفاوضات بجدية قصوى.

أما الرسالة الثانية فموجهة -وفق شجاعي- إلى دول المنطقة، وتؤكد أن إيران تعمل على معالجة قضاياها الخلافية عبر قنوات حاكمة رفيعة المستوى، مع إبراز الدور الاستثنائي لسلطنة عمان كونها أكثر من مجرد وسيط تقليدي، مضيفا أن الزيارة تؤكد تفضيل إيران لهذه القناة الموثوقة وتلمح إلى إمكانية توسيع دورها ليشمل قضايا أوسع في المستقبل.

وفي السياق، يكشف موقع “آوش” التحليلي الإيراني عن أن مهمة لاريجاني تركز على متابعة حصيلة المفاوضات السابقة مع الجانب الأميركي وتنسيق الخطوات مع الوسيط العماني، معتبرا أن سياق التوتر الراهن في المنطقة لا يشبه أي مرحلة مضت، مما يضع الأطراف المعنية على “حافة الهاوية” ويحفزها على البحث عن مخرج دبلوماسي.

توقيت دقيق

ووفقا للتحليل، تتجاوز زيارة لاريجاني حدود المناورة الدبلوماسية الروتينية وترمز إلى فرصة استثنائية قد لا تتكرر بعد أن انفتحت نافذتها في ذروة عاصفة التوتر، مما يضع الدبلوماسية أمام اختبار مصيري: إما أن تنجح في منع كارثة وشيكة عبر اتفاق متوازن، أو تفشل فتنزلق المنطقة نحو مواجهة لا تحمد عقباها.

وعليه، تعزز عدة عوامل احتمالية بلوغ التفاهم هذه المرة؛ فمن جهة، يُمثل لاريجاني -بحكم منصبه وسابق خبرته الطويلة في الملف النووي- ضمانة لمواءمة الموقف التفاوضي مع الإرادة العليا للنظام في طهران، ومن جهة أخرى، تبدو واشنطن، التي تتجنب الدخول في حرب إقليمية مكلفة جديدة، ميالة بدورها للحل الدبلوماسي، في حين يوفر الوسيط العماني البيئة المناسبة لمثل هذا التقارب.

لكن مسار الاقتراب من الحل يبقى هشا ومعرضا للانهيار في أي لحظة، فأي خطأ في التقدير أو سوء تفسير للنية أو عمل استفزازي من أي طرف -وفق موقع آوش، الذي لم يذكر اسم الكاتب- يمكن أن يحوّل الجولة التفاوضية إلى مواجهة مفتوحة.

السياق المتأزم

من ناحيته، يعتقد الباحث السياسي حميد آصفي أنه لا يمكن قراءة زيارة لاريجاني لمسقط، بمعزل عن السياق الأمني السياسي المتأزم الذي تجتازه المنطقة، كما أنها لا تنتمي إلى إطار العلاقات الثنائية الروتينية بين الجمهورية الإسلامية وسلطنة عمان، بل تُعد ضرورة استثنائية نابعة من حاجة طهران لإدارة ملفات بالغة الحساسية في مرحلة تتطلب نقل القضايا الشائكة من مستوى الدبلوماسية التقليدية إلى مستوى صناعة القرار الأمني الوطني المباشر.

وفي تحليل نشره على قناته بمنصة تلغرام، يرجح آصفي 3 دوافع رئيسية لهذه الزيارة، وفق التالي:

  • التقييم الميداني: تهدف الزيارة إلى تقييم دقيق للمناخ الحالي للمفاوضات غير المباشرة واستقراء النية الحقيقية للطرف المقابل، في لحظة لا تظهر فيها علامات واضحة على التوافق، ولا إرادة معلنة للمواجهة الصريحة، مما يجعل الرسائل المتبادلة تحمل أبعادا أمنية بحتة.
  • إدارة مخاطر مرحلة ما قبل الأزمة: تأتي الرحلة في وقت يشهد حالة إقليمية شديدة الاحتقان، حيث قد يؤدي أي سوء تقدير أو فعل غير محسوب إلى انفجار أزمة كبرى. وبالتالي، تمثل زيارة لاريجاني محاولة استباقية لتخفيف هذا الاحتمال، عبر الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وتجنب أي صدمات قد تكون كلفتها باهظة.
  • إعادة ضبط الإستراتيجية: انتقال الملف إلى المجلس الأعلى للأمن الوطني إشارة إلى تجاوزه مرحلة الحوار البسيط وانتقاله إلى مرحلة تحديد الحدود وإرسال رسائل ضمنية واضحة. وبهذا المعنى، قد تحمل الزيارة رسائل هدفها الأساسي ليس تسريع التوصل لاتفاق، بل احتواء السيناريوهات عالية الخطورة ومنع الانزلاق غير المحسوب نحو المواجهة.

ويرى أن تزامن توقيت زيارة لاريجاني مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسلط الضوء على بُعد جيوسياسي إضافي، بما يؤشر على دخول الملف الإيراني مرحلة بالغة الحساسية والتشابك، حيث تُشكل الروايات والرسائل المضمرة قبل اتخاذ القرارات الرسمية، مما يستدعي تواصلا دقيقا ومُحكما على أعلى المستويات الأمنية.

وفي المحصلة، تُفهم زيارة لاريجاني إلى مسقط -وفق الباحث نفسه- على أنها خطوة استباقية محسوبة التوقيت تهدف إلى “إدارة التوتر وضبط الوضع الراهن”، أكثر من كونها مقدمة لتحول كبير. فهي تعكس محاولة للسيطرة على وضع إقليمي غير مستقر، لا يتجه بوضوح نحو سلام دائم ولا نحو حرب شاملة، لكنه يحمل في طياته مخاطر انفلات سريع قد يصعب احتواؤه لاحقا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى