وساطة على حافة الانفجار: عُمان أمام اختبار منع حرب غير مقصودة

ما تغيّر في عام 2026 ليس طبيعة الدور العُماني، بل حجم الرهانات

ميدل ايست نيوز: إن قرار واشنطن وطهران نقل اجتماعهما المرتقب منذ فترة طويلة، والمقرر في 6 فبراير، من إسطنبول إلى مسقط، ليس مجرد تفصيل لوجستي. بل هو أحدث تذكير بأنه كلما أوشكت الدبلوماسية الأمريكية–الإيرانية على الانهيار الكامل، تكون عُمان هي الطرف الإقليمي الذي يثق به النظام الإيراني أكثر من غيره للتدخل والوساطة.

ما تغيّر في عام 2026 ليس طبيعة الدور العُماني، بل حجم الرهانات: خطر سوء التقدير آخذ في الارتفاع، وقد تكون إيران والولايات المتحدة تقرآن اللحظة الراهنة بطرق متعاكسة، ولم تعد الوساطة الهادئة كافية. على عُمان اليوم أن تضطلع بدور وساطة أكثر حزمًا — لا ضد إيران، بل من أجل بقائها الاستراتيجي، ومن أجل استقرار منطقة الخليج الفارسي بأكملها.

تصاعد التوتر الأمريكي–الإيراني

خلال الأسبوع الماضي، أكدت عدة وسائل إعلام إقليمية وغربية أن إيران هي من ضغطت لتغيير مكان انعقاد المحادثات. فطهران ترغب في أن تُعقد في مسقط، لأنها تثق بأن عُمان ستلتزم بحصر جدول الأعمال بشكل صارم في الملف النووي، والحفاظ على الصيغة الثنائية المعزولة التي ميّزت الجولات العُمانية السابقة، مع استبعاد أي مراقبين عرب أو أتراك أو باكستانيين.

وقد وافقت الولايات المتحدة على هذا الانتقال — وهي بادرة نادرة من التكيّف في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. وأفادت منصات مثل «أكسيوس» و«رويترز»، إضافة إلى عدد من المسؤولين العرب، بأن المحادثات ستُعقد الآن في عُمان، على أن يمثل إيران وزير الخارجية عباس عراقجي، فيما يقود الفريق الأمريكي مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف (وربما ينضم إليه جاريد كوشنر، صهر ترامب). وقد أوضحت إيران أن الصواريخ الباليستية، والوكلاء الإقليميين، والسياسة الداخلية، جميعها خارج نطاق التفاوض. وفي المقابل، أكدت واشنطن بوضوح أن هذه القضايا نفسها لا تزال محورية في رؤيتها الاستراتيجية. وهنا تجد عُمان نفسها في قلب هذه الفجوة.

ويكشف تغيير مكان اللقاء أمرًا آخر أيضًا: فعلى الرغم من الخطاب العلني المتشدد، لا تزال القيادة الإيرانية تفضّل التفاوض عندما يهدد التصعيد بالخروج عن السيطرة. كما يعكس نقل المحادثات إلى عُمان المكانة الدائمة لمسقط باعتبارها الشريك الخليجي الأكثر ثقة لدى إيران — وهي مكانة حافظت عليها رغم سنوات من الاستقطاب الإقليمي، وحرب اليمن، وظلال الشك الأوسع لدى بقية دول مجلس التعاون الخليجي تجاه حياد عُمان. غير أن هذا التحول يفضح أيضًا مشكلة أعمق سيتعيّن على مسقط التعامل معها مباشرة: اتساع فجوة سوء الفهم بين واشنطن وطهران.

في طهران، ولا سيما في وسائل الإعلام المتشددة وأوساط الأجهزة الأمنية، يُروَّج لاستعداد الولايات المتحدة للعودة إلى المفاوضات بوصفه دليلًا على ضعف أمريكي أو على نفاد خياراتها. وقد صاغت وكالة «تسنيم» المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني هذه الرواية بوضوح: الضغط العسكري لترامب فشل، و«شبه الانقلاب» فشل (في إشارة إلى حركة الاحتجاجات في يناير 2026)، كما فشل تفعيل آلية إعادة فرض العقوبات الأوروبية في سبتمبر 2025، وكذلك فشلت أساليب الضغط الإسرائيلية الأخرى، وبالتالي لم يكن أمام واشنطن خيار سوى التفاوض. ووفق هذه السردية، فإن الولايات المتحدة تراجعت، وهو ما يُفترض أنه يثبت صحة استراتيجية التحدي الإيرانية.

أما واشنطن فتقرأ المشهد على نحو معاكس تقريبًا. فالمسؤولون الأمريكيون والدبلوماسيون الإقليميون يكررون للصحفيين أن إيران تعاني ضغوطًا داخلية شديدة، وتخشى جولة جديدة من الاحتجاجات على مستوى البلاد، وغير واثقة من متانة سيطرتها الداخلية. وقد تزامن الحشد البحري الأمريكي في منطقة الخليج، وإسقاط طائرة مسيّرة إيرانية في 3 فبراير كانت تقترب من حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، ومحاولة شبه احتجاز ناقلة نفط ترفع العلم الأمريكي في مضيق هرمز، جميعها ضمن نافذة زمنية واحدة امتدت 72 ساعة، مع تحذير ترامب العلني من أن «أمورًا سيئة» ستقع إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. ومن وجهة النظر الأمريكية، فإن التفاوض ليس تنازلًا، بل فرصة لتثبيت مكاسب رمزية وموضوعية قبل أن تتدهور الأمور أكثر.

دخول عُمان على الخط

تمثل هذه الفجوة في التصورات أخطر سمات الأزمة الحالية — وهي بالضبط السبب الذي يجعل الدور العُماني لا غنى عنه. فعندما يعتقد طرف أن الآخر في حالة تراجع، بينما يرى الطرف الثاني نفسه يتفاوض من موقع قوة، يمكن للدبلوماسية أن تنهار في لحظة. إصرار إيران على حصر المحادثات في الملف النووي ورفض إشراك مراقبين إقليميين يعكس ثقة بالنفس. وإصرار الولايات المتحدة على مناقشة قضايا أوسع يعكس ضغطًا. وهذا الاختلال هو الطريق الذي قد تبدأ عبره الحروب عن طريق الخطأ.

وقد أدركت دول مجلس التعاون ذلك أيضًا. فطوال سنوات، أثارت وساطة عُمان الهادئة شكوك جيرانها — ولا سيما السعودية والإمارات — اللتين خشيتا أن يضعف النهج العُماني المستقل الضغط الجماعي على إيران. لكن حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في عام 2025، والاضطرابات في إيران مطلع 2026، غيّرت هذه الحسابات. فقد أظهرت الهجمات الإسرائيلية على أهداف إيرانية، والضربة الإيرانية الانتقامية على قاعدة العديد في قطر، ثم تقليص الوجود الأمريكي في قواعد خليجية رئيسية، أن أي صراع أمريكي–إيراني سينتقل إلى أراضي الخليج أولًا. ولا تزال ذكرى الهجمات على منشآت النفط السعودية عام 2019 حاضرة بقوة؛ أما دورة التصعيد في 2025–2026 فقد جعلت الأمر أوضح: لا تستطيع أي دولة خليجية تحمّل إدارة الأزمات بشكل منفرد.

وبحلول منتصف يناير، لم تعد العواصم الخليجية تتساءل عما إذا كان ينبغي لعُمان أن تتوسط، بل عمّا إذا كانت قادرة على منع صراع قد لا يريده أي من الطرفين، لكنه قد يندلع بفعل قدراتهما الخطرة. وقد مارست الدوحة والرياض ومسقط معًا ضغوطًا على واشنطن لتعليق ضربة عسكرية. وما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه حيادًا عُمانيًا مزعجًا، بات يُفهم اليوم على أنه خط الدفاع الأخير للدبلوماسية الوقائية في المنطقة.

ومع ذلك، قد لا يكون النهج التقليدي لعُمان — القائم على السرية والصبر والتركيز على الإجراءات — كافيًا هذه المرة. ففي السنوات السابقة، اقتصر دور مسقط على نقل الرسائل، واستضافة القنوات السرية، والحفاظ على مساحة للحوار عندما ينكفئ الآخرون. وكان ذلك كافيًا عندما كان كل من إيران والولايات المتحدة يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه. أما البيئة الحالية فهي أقل تسامحًا. فإيران توحي بثقة مفادها أن الولايات المتحدة لا تملك خيارًا عسكريًا، بينما تعتقد واشنطن أن إيران ضعيفة وسترضخ في نهاية المطاف. وتضغط إسرائيل بقوة لتوسيع المطالب الأمريكية ومنع أي اتفاق ما لم ترضخ طهران عمليًا لجميع الشروط، بما في ذلك تقليص كبير لبرنامجها الصاروخي، وسحب دعمها لوكلائها الإقليميين مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. وهناك أيضًا تقارير تفيد بأن الحكومة الإسرائيلية تضغط الآن على ترامب لاستهداف مصانع الصواريخ الباليستية وفرض حصار على إيران. وفي الوقت نفسه، يشعر الخليج — في حالة نادرة من التوافق — بذعر حقيقي من أن أي خطوة خاطئة ناتجة عن سوء تقدير من واشنطن أو طهران قد تلتهم المنطقة بأسرها.

في هذا السياق، تتحمل عُمان نوعًا مختلفًا من المسؤولية: ليس مجرد التيسير، بل تصحيح سوء الفهم الذي يجعل التصعيد أكثر احتمالًا. فمسقط في موقع فريد يمكّنها من إبلاغ طهران بما لا تستطيع عاصمة أخرى قوله: إن تفسير الانخراط الأمريكي على أنه استسلام وهم خطير؛ وإن تقلبات ترامب ليست علامة ضعف، بل أداة تفاوضية؛ وإن رفض توسيع جدول الأعمال، وإن كان مفهومًا، قد يعزز اعتقاد واشنطن بأن إيران تماطل لكسب الوقت. وفي المقابل، تستطيع عُمان أن توصل إلى الولايات المتحدة رسالة مفادها أن المطالب القصوى — مثل تصفير التخصيب، وتفكيك البرنامج الصاروخي، والتخلي عن الحلفاء الإقليميين — لن تفضي إلى أي اتفاق، وقد تدفع إيران إلى تصعيد مضاد.

لا يتعلق الأمر باختيار طرف على حساب آخر، بل بمنع كل طرف من إساءة فهم نوايا وقدرات الطرف الآخر. لا تحتاج عُمان إلى دفع إيران نحو الاستسلام، بل إلى إلزامها بإدراك أن نافذة التوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه تضيق، وأن الثقة المفرطة سبق أن أفسدت الدبلوماسية الإيرانية مع ترامب. وتعرف طهران جيدًا كيف انتهت مرحلة 2019–2020 (باغتيال الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري)، كما تدرك أن ترامب يفضّل الانتصارات الواضحة على التعقيدات التقنية. وفهم هذه النفسية أمر أساسي، وقد تكون عُمان الجهة الوحيدة القادرة على نقل ذلك بمصداقية.

لا يزال هناك مسار لخفض التصعيد. فبإمكان إيران التراجع عن مستويات التخصيب العالية دون التخلي عن برنامجها النووي. وبإمكان واشنطن تخفيف العقوبات دون التخلي عن مخاوفها. ويمكن للفاعلين الإقليميين أن يلعبوا أدوارًا بنّاءة دون ازدحام طاولة التفاوض. وهذه بالضبط هي الترتيبات الضيقة القائمة على المصالح التي نجحت عُمان في رعايتها من قبل.

غير أن مثل هذا الاتفاق لن يرى النور إذا اكتفت عُمان بنقل الرسائل بهدوء. فاللحظة الراهنة تتطلب أمرًا أصعب: إقناعًا صريحًا. تمتلك مسقط ثقة طهران، واحترام واشنطن، ودعم الخليج — وهو تلاقي نادر. وعليها أن تستخدم هذا النفوذ لحث إيران على ضبط النفس استراتيجيًا، لا بدافع إرضاء الولايات المتحدة، بل لأن استقرار إيران، وأمن الخليج، وسلام المنطقة باتت اليوم رهينة لكيفية قراءة طهران لهذه اللحظة.

لطالما كانت عُمان وسيط الخليج الهادئ. أما اليوم، فعليها أن تكون أيضًا أوضح صوت تحذير فيه. لقد دخلت المنطقة مرحلة أصبح فيها سوء التقدير، لا سوء النية، هو الخطر الأكبر. ومساعدة طهران على إدراك هذا الفارق — بحزم، وبسرية، وبمثابرة — قد تكون أهم خدمة دبلوماسية تقدمها مسقط على الإطلاق.

 

Alex Vatanka

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
Middle East Institute

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى