استشراف مقاربة ترمب للشرق الأوسط في 2026
جاء العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب أشبه بأفعوانية سياسية حفلت بمنعطفات حادة وتقلبات متسارعة، داخليا وخارجيا، وكان الشرق الأوسط في صلب هذه الحركة الدؤوبة.
ميدل ايست نيوز: جاء العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب أشبه بأفعوانية سياسية حفلت بمنعطفات حادة وتقلبات متسارعة، داخليا وخارجيا، وكان الشرق الأوسط في صلب هذه الحركة الدؤوبة. وقد تحدد تركيزه الإقليمي بعاملين رئيسين: اعتداد واضح بالذات ورغبة في ترسيخ موقع متقدم في سجل التاريخ، في مقابل بيئة إقليمية مضطربة تتسارع فيها الأحداث وتتشابك حسابات الفاعلين.
لا يزال ترامب يقدم اتفاقات أبراهام لعام 2020 وحملة الضغط الأقصى على إيران، بما في ذلك الضربة التي أودت بحياة الجنرال الإيراني قاسم سليماني في العام ذاته، بوصفها محطات بارزة في سياسته الخارجية خلال ولايته الأولى. وفي خضم طموحاته الدولية الواسعة، من إنهاء الحرب في أوكرانيا إلى إعادة صياغة الروابط الاقتصادية للولايات المتحدة مع معظم دول العالم، مرورا بتشديد سياسات الهجرة إلى أقصى حد منذ عقود، يحتفظ الشرق الأوسط بمكانة ثابتة في حساباته. فقد تركت اتفاقات أبراهام بصمة واضحة في تاريخ المنطقة إبان رئاسته الأولى، وهو يسعى إلى تثبيت هذا الإرث وتعزيزه في ولايته الثانية.
غير أن الطموح الشخصي لا يكفي وحده لتفسير انخراطه. فالتطورات الإقليمية فرضت عليه التعامل مع ملفات لم تكن بالضرورة في مقدمة أولوياته. وهذا نمط يتكرر في تجارب الرؤساء الأميركيين، إذ يجدون أنفسهم مشدودين إلى أزمات المنطقة مهما حاولوا تقليص الانخراط فيها. ولكل رئيس لحظته الخاصة على طريقة مايكل كورليوني في الجزء الثالث من فيلم “العراب”، حين يقر بمرارة أن الخروج من الدائرة لا يدوم.
تعزز هذا المنحى بسلسلة خطوات اتخذها ترامب في عام 2025 جاءت استجابة لتحركات إسرائيلية. فقد أنهت إسرائيل وقف إطلاق النار مع “حماس” بصورة أحادية في مارس/آذار، ووجهت ضربة إلى إيران في يونيو/حزيران، وقصفت الدوحة في خضم مفاوضات حساسة. وإلى جانب ذلك، واجه ترامب تطورات متسارعة داخل سوريا عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، قبل أيام من تسلمه المنصب.
تقدم هذه القراءة المكثفة للعام المنصرم أرضية معقولة لاستشراف ما قد يحمله عام 2026 للرئيس الأميركي الأكثر تقلّبا في العصر الحديث. وكما درجت شركات الاستثمار على التنبيه إلى أن الأداء السابق لا يعد مؤشرا إلى النتائج المقبلة، فإن هذه القاعدة تنطبق بوضوح على ترامب، فتتبع نمط قراراته وتحركاته يوفر مؤشرات ذات دلالة. ويمكن رصد ثلاث سمات عامة طبعت نهجه خلال العام الماضي.
تصريحات الصدمة والترويع
يشكل إطلاق تصريحات مدوية تستقطب الانتباه وتربك الخصوم جزءا أصيلا من أسلوب ترامب. ففي الأسابيع الأولى من رئاسته عام 2025، أعلن أن الولايات المتحدة ستملك غزة، واقترح أن تستقبل دول مجاورة الفلسطينيين. وبعد عام، لم يعد هذا الطرح متداولا، سواء كان خطة فعلية أم مجرد مناورة خطابية. إلا أن أثر الصدمة تحقق، إذ دفع أطرافا أخرى إلى إعادة حساباتها والتحرك تحت ضغط المفاجأة.
تفضيل المكاسب السريعة
تتجلى السمة الثانية في ميله إلى ما يسميه المكاسب السريعة، أي خطوات أو صفقات تحقق عائدا سياسيا واضحا بكلفة محدودة على الولايات المتحدة. ويمكن الاستدلال بما تردد عن عملية اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من كاراكاس. في مثل هذا السيناريو، يظهر الرئيس بمظهر الحازم القادر على توظيف القوة الأميركية من دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف الموارد، كما جرى في العراق خلال عهد جورج دبليو بوش.
المبالغة في توصيف الإنجازات
دأب ترامب على تأكيد أنه أنهى ثماني حروب خلال عشرة أشهر، مستندا إلى اتفاقات أبرمت بين أرمينيا وأذربيجان، والكونغو ورواندا، والهند وباكستان، وكمبوديا وتايلاند، مع أن الوقائع على الأرض أكثر تعقيدا وتشابكا. وهو يميل إلى إطلاق وعود عالية السقف، وتحقيق نتائج دون تلك الوعود، ثم إعادة تقديم ما تحقق في صورة إنجاز تاريخي. ومن المرجح استمرار هذا الأسلوب خلال العام الجاري.
وعند إسقاط هذه السمات الثلاث على نزاعات إيران وإسرائيل وفلسطين وسوريا، تتضح ملامح سيناريوهات محتملة قد تحدد مسار مقاربة ترامب للشرق الأوسط في عام 2026.
إيران
بدأ عام 2026 وسط موجة عارمة من التكهنات بشأن احتمال توجيه ترامب ضربة إلى النظام الإيراني، وقد غذت تصريحاته تلك الآمال بين محتجين خرجوا إلى الشوارع مناهضين للحكم القائم. وبعد أسابيع، سقطت المئات من القتلى، وأرسل ترامب مزيدا من الأصول العسكرية والدبلوماسيين إلى المنطقة لمحاولة التأثير في حسابات طهران.
ورغم بقاء كل الخيارات مطروحة، فإن نمط تعامله مع دول مثل كوريا الشمالية في ولايته الأولى، أو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوحي بإمكانية السعي إلى نوع من التفاهم عبر قنوات دبلوماسية، وربما استخدام محدود للقوة، على غرار ما فعله مع الحوثيين في اليمن العام الماضي، مع استمرار الضغط لإضعاف قدرات النظام. ويبقى موقف إسرائيل تجاه إيران عاملا غير محسوم قد يقلب الحسابات في أي لحظة.
إسرائيل وفلسطين
شهدت الشهور الأخيرة تصاعدا في التقديرات بأن ترامب قد يبتعد عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب خطوات إسرائيلية لفرض مزيد من السيطرة على الضفة الغربية وربما السعي إلى ضمها. وكان ترامب قد وضع خطا أحمر حيال هذه الخطوات في العام الماضي، غير أن المرجح أن يستمر في تقديم دعم ثابت للحكومة الإسرائيلية اليمينية، مع الاكتفاء بإشارات رمزية محدودة تجاه الفلسطينيين.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أن يستخدم ترامب أدوات ضغط أميركية محددة تجاه إسرائيل، كما فعل عقب الغارة على الدوحة في سبتمبر/أيلول الماضي، والتي استهدفت قادة من حركة “حماس”. ففي ذلك الحين، تمكن من دفع إسرائيل إلى قبول اتفاق لوقف إطلاق النار، رغم استمرار عمليات القتل بحق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية منذ ذلك الوقت. ومن المرجح أن يشهد اجتماع “مجلس السلام” المرتقب إعادة إنتاج لمراسم دبلوماسية بلا نتائج حقيقية، في ظل اختلال التوازنات السياسية داخل إسرائيل وفلسطين، وغياب قيادات تمتلك رؤية شجاعة قادرة على الدخول في مسار سلام جاد في هذه المرحلة.
سوريا
كان الدعم المفاجئ الذي قدمه ترامب لأحمد الشرع في سوريا أبرز التحولات غير المتوقعة في عامه الأول من الولاية الثانية، وهو توجه حظي بدعم سعودي واضح. ولم يرتب هذا المسار كلفة تُذكر على الولايات المتحدة، إذ واصلت واشنطن التركيز على جهود مكافحة الإرهاب، ومنع تصاعد التوترات بين سوريا وإسرائيل وتركيا بما قد يفضي إلى اضطرابات إقليمية أوسع. ومن المتوقع أن يستمر هذا النهج، أي تحميل شركاء إقليميين العبء الرئيس، مع تقليص الكلفة المباشرة للانخراط الأميركي.
وفي ظل ما يحيط بشخصية ترامب من تقلب وعدم يقين، وفي وقت تشهد فيه المنطقة هدوءا هشا قابلا للتبدد، تبقى كل هذه التقديرات مفتوحة على مفاجآت. إلا أن طرحها يوفر مساحة لنقاش أوسع حول المسارات المحتملة، وما تحمله من فرص ومخاطر للولايات المتحدة وشركائها الرئيسين خلال العام المقبل.



