العراق.. التحدي الأكبر الذي ينتظر رئيس الوزراء القادم

قبل بضعة أشهر، أعلنت مجلة إيكونوميست أن بغداد أصبحت «مدينة الازدهار المفاجئ» في العالم. وبالفعل، تبدو مظاهر البناء واضحة في أنحاء المدينة كافة.

ميدل ايست نيوز: قبل بضعة أشهر، أعلنت مجلة إيكونوميست أن بغداد أصبحت «مدينة الازدهار المفاجئ» في العالم. وبالفعل، تبدو مظاهر البناء واضحة في أنحاء المدينة كافة. وقد أصبحت صورة رافعة البناء معبّرة إلى حدٍّ دفع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى اعتماد الرافعة رمزًا لتحالفه «الإعمار والتنمية» خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث ظهرت لوحات حملته الانتخابية وهو يرتدي خوذة السلامة.

واليوم، يُعدّ أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا بشأن مسار الديمقراطية والمجتمع في العراق هو ما إذا كان النظام السياسي قادرًا على مواكبة التغيّرات الظاهرة في الشوارع. وخلال لقاءات وفد «المجلس الأطلسي» مع سياسيين ومحللين وصحفيين وشباب عراقيين في بغداد وأربيل ودهوك، سمعتُ رسائل تفاؤل بأن العراق يتجه أخيرًا نحو الطريق الصحيح. لكنني سمعتُ أيضًا قدرًا كبيرًا من الشك في قدرة النظام السياسي العراقي على مواجهة التحديات العديدة المقبلة بفاعلية.

عقب الانتخابات، أطلقت النخبة السياسية العراقية نقاشات داخلية—غالبًا على أسس طائفية—لتشكيل الحكومة المقبلة. وقد حصد تحالف «الإعمار والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء أكبر عدد من الأصوات (1.3 مليون صوت) وأكبر عدد من المقاعد (ستة وأربعون مقعدًا) في انتخابات الشهر الماضي. ويعكس هذا النجاح الانتخابي ارتفاع معدلات الرضا عن السوداني، إذ أشار خبير استطلاعات الرأي منقذ داغر إلى نتائج تُظهر أنه السياسي الأكثر شعبية في العراق منذ عام 2003. كما أن فوز حركة «الفراتين» التي يقودها السوداني بمقعد واحد فقط—هو مقعده—في انتخابات 2021، يُعدّ دليلًا على نجاحه السياسي في هذه الانتخابات وعلى محدودية الارتباط بين عدد المقاعد التي تُحرَز واختيار رئيس الوزراء.

وعلى الرغم من أن الأحزاب الشيعية المنضوية ضمن «الإطار التنسيقي» خاضت الانتخابات بقوائم منفصلة، فإن الإطار سرعان ما توحّد في الأيام التي تلت الاقتراع. وقد أكد لنا قادة شيعة وجود إجماع راسخ—مع استثناء ملحوظ هو السوداني—على أن لا يتولى أي رئيس وزراء ولاية ثانية، وأن رئيس الوزراء المقبل لن يُسمح له بتشكيل حزب سياسي خاص به.

وحتى في الوقت الذي واصل فيه قادة الإطار مناقشة مزايا المرشحين المختلفين لرئاسة الوزراء، كانت النتيجة واضحة سلفًا: رئيس الوزراء المقبل للعراق سيؤدي عمليًا دور «المدير العام»—ينفّذ سياسات الإطار، من دون أن يضعها بنفسه.

السنّة والأكراد: انقسامات قائمة

إذا كان لدى السوداني أي أمل في تشكيل تحالف عابر للطوائف يستند إلى دعم الأحزاب الكردية والسنية، فقد بدا ذلك الاحتمال ضعيفًا في الأيام الأولى بعد الانتخابات. إذ شارك القادة السنّة والأكراد إلى حدٍّ كبير الموقف الشيعي القائل بضرورة حصر ولاية رئيس الوزراء بدورة واحدة، مستشهدين على نطاق واسع بتجربة الولاية الثانية شبه السلطوية لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بوصفها درسًا تحذيريًا.

وفي الأيام الأولى التي أعقبت الانتخابات، لم يكن ثمة ما يوحّد السنّة سوى اتفاق عام على أن محمد الحلبوسي، زعيم حزب «تقدّم»، لا ينبغي أن يعود رئيسًا للبرلمان. وفي 23 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن السنّة تشكيل تحالفهم الخاص «المجلس السياسي الوطني»، ليكون بمثابة إطار تنسيقي سنّي يهدف إلى إظهار الوحدة في مواجهة الكتلة الشيعية. إلا أن هذا التحالف لا يزال حتى الآن غير مُختبَر.

وقد ذكّرتنا لقاءاتنا في إقليم كردستان بأن الحزبين الرئيسيين—الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني—لم ينجزا بعدُ حسم عناصر أساسية في حكومة إقليم كردستان، وذلك بعد أكثر من عام على انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2024. وذهب بعض السياسيين إلى أن الأكراد قد يؤخّرون عملية تشكيل الحكومة في بغداد بسبب الخلافات بين الطرفين حول الجهة التي ستسيطر على الوزارات الأساسية في الإقليم، وحول ما إذا كان الحزب الديمقراطي سيصرّ على تولّي رئاسة الجمهورية العراقية وفق نمطٍ اعتاد فيه الاتحاد الوطني السيطرة على المنصب.

الفصائل المسلحة لا تزال قوة مؤثرة

حققت الأحزاب والسياسيون المرتبطون الفصائل مكاسب في انتخابات الشهر الماضي. فقد فاز حزب «صادقون»، الجناح السياسي لمنظمة «عصائب أهل الحق» المصنّفة أمريكيًا كمنظمة إرهابية أجنبية، بسبعةٍ وعشرين مقعدًا بعد أن كان له سبعة مقاعد فقط في الانتخابات السابقة. كما حصدت منظمة «بدر»—المرتبطة بالفصائل لكنها غير مصنّفة—ثمانية عشر مقعدًا، وظهر عدد من المرشحين المرتبطين بالفصائل على قوائم أحزاب سياسية رئيسية. وبحسب بعض التقديرات، يمثل مرشحو الفصائل الآن أكثر من خمسين مقعدًا في البرلمان، ما يؤكد استمرار نفوذ هذه الجماعات كفاعلين سياسيين.

وخلال نقاشاتي مع العديد من الساسة العراقيين، سمعتُ إقرارًا واضحًا بأن رئيس الوزراء المقبل سيتعيّن عليه إخضاع الفصائل لسيطرة الدولة. غير أن تنامي القوة السياسية والاقتصادية لهذه الفصائل سيشكّل تحديًا داخليًا كبيرًا لأي محاولة من هذا القبيل. ومن المرجّح أن تكون الولايات المتحدة قد رسمت بهدوء «خطًا أحمر» يقضي باستبعاد الجماعات المصنّفة كمنظمات إرهابية أجنبية من الحكومة المقبلة. وإذا صحّ ذلك، فسيشكّل الأمر تحديًا سياسيًا للإطار التنسيقي في ضوء الأداء القوي للأحزاب المرتبطة بالفصائل.

الولايات المتحدة لا تزال ذات أهمية

حتى وإن كان العراق قد تراجع عن صدارة الاهتمام في واشنطن، فإن العراقيين كانوا متحمسين للحديث عن الشراكة العراقية–الأمريكية. فقد شدّد الأكراد والسنّة وحتى القادة الشيعة على أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة ورغبتهم في تعزيزها.

وعلى الرغم من الحضور الدائم للنفوذ الإيراني في البلاد، فإن المناورات السياسية التي شهدتها خلف الكواليس بدت في معظمها عراقية الدوافع، مدفوعة باعتبارات داخلية أكثر من كونها استجابة لضغوط خارجية. وقد عبّر القادة الشيعة عن توافق حول سياسة خارجية عراقية توازن بين شراكة قوية مع الولايات المتحدة وعلاقة تاريخية طويلة الأمد مع إيران. وأكد عدد من السياسيين والمحللين أن رئيس الوزراء المقبل سيسعى إلى الاستمرارية في السياسة العراقية، بما في ذلك تجاه الولايات المتحدة.

اتساع الفجوة بين الجمهور والنخب

ورغم انخراط السياسيين العراقيين العميق في نتائج الانتخابات وعملية تشكيل الحكومة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجمهور العراقي يشاركهم الاهتمام. فقد خلص كثير ممن تحدثتُ إليهم إلى أن الانتخابات لا تُحدث فرقًا كبيرًا. وأعرب محللون مخضرمون ونشطاء مجتمع مدني وشباب عن نفورهم من العملية السياسية، مع اعتراف بعضهم بعدم المشاركة في انتخابات الشهر الماضي وعدم رغبتهم في إضفاء شرعية على النظام السياسي.

وأشار عدد من الشباب إلى خيبة الأمل التي أعقبت قمع الحكومة لاحتجاجات تشرين 2019، حين خرج الشباب مطالبين بتغيير سياسي جذري، وإلى فشل المرشحين المستقلين والنشطاء في إحداث تغيير ملموس بعد دخولهم البرلمان عام 2021. بل رأوا أن بعض هؤلاء قد جرى استيعابهم داخل النظام السياسي، فانضموا إلى الأحزاب السائدة التي كانوا يعارضونها سابقًا. وفي انتخابات هذا العام، جرى إقصاء المرشحين المستقلين ومرشحي المجتمع المدني إلى حدٍّ كبير.

وقد أشار سياسيون من مختلف الاتجاهات إلى ارتفاع نسبة المشاركة مقارنة بالتوقعات، لكن المشككين ردّوا بوصفها «انتخابات المليارديرات»، حيث كانت المشاركة—في رأيهم—نتاج إنفاق سياسي غير مسبوق أكثر من كونها تعبيرًا عن حماس شعبي حقيقي.

وبالنسبة لكثير من العراقيين، فإن محدودية تأثير نتائج الانتخابات على عملية تشكيل الحكومات تُعدّ تذكيرًا إضافيًا بأن النظام السياسي يفتقر إلى آليات فعالة لمساءلة القيادة من قِبل المواطن العادي.

وعد عراقٍ متغيّر

ومع ذلك، لمستُ بوادر عراقٍ مختلف. فعند سلوكي طريق المطار إلى المنطقة الخضراء—المعروف بطريق «آيريش»—كان من السهل نسيان أن هذا الطريق كان يومًا ما سيّئ الصيت بسبب الهجمات المتكررة على الأرتال الأمريكية. وحتى هذا العام فقط، كانت وزارة الخارجية الأمريكية تستخدم مروحيات «بلاك هوك» لنقل موظفيها من المطار إلى السفارة. أما وفدنا، فقد سلك الطريق بسلام في سيارة عادية.

وفي بغداد، تجولتُ في شارع المتنبي، ذلك الممر التاريخي المليء بالكتب والمقاهي، الذي أُعيد بناؤه في السنوات الأخيرة بعد تفجير سيارة مفخخة عام 2007 أودى بحياة أكثر من ثلاثين شخصًا ودمّر هذا المعلم الثقافي. كما تجولتُ بحرية في دهوك وأربيل، متسوقًا في الأسواق، ومتنزهًا حول قلعة أربيل، ومتذوقًا المأكولات المحلية في المطاعم.

وعلى الرغم من كثرة التحديات المقبلة، غادرتُ العراق متسائلًا: بعد عقدين من الصراع، هل تجاوز البلد أخيرًا نقطة التحوّل؟ كثيرًا ما شعرتُ خلال الزيارة بشغفٍ للتغيير لدى العراقيين. وقريبًا، ستتاح للحكومة المقبلة فرصة لاغتنام هذه اللحظة. فالقضايا الملحّة كثيرة—من الفصائل والإصلاحات الاقتصادية إلى أزمة المياه المستمرة—غير أن الخطوة الأهم ربما تكون البدء في تضييق الفجوة بين النخبة السياسية والشعب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
Atlantic Council

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى