الانسحاب الأميركي من سورية… خطوات متسارعة

لم يعد الانسحاب الأميركي من سورية يدور في مجال التكهنات والفرضيات، بل صار أمراً منتهياً، ينتظر أن تدق ساعة إتمام المهمة التي جاءت من أجلها.

ميدل ايست نيوز: لم يعد الانسحاب الأميركي من سورية يدور في مجال التكهنات والفرضيات، بل صار أمراً منتهياً، ينتظر أن تدق ساعة إتمام المهمة التي جاءت من أجلها. وقد تحدثت صحيفة وول ستريت جورنال الشهر الماضي عن قرب حصول ذلك. وبدأت القوات الأميركية في الشهر الماضي الانسحاب من قاعدة الشدادي بريف الحسكة باتجاه أربيل بإقليم كردستان العراق، ومن ثم استكملت تسليم قاعدة التنف لوزارة الدفاع السورية منذ أيام، الواقعة في البادية السورية على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، والتي تأسست بهدف محاربة تنظيم داعش، وتدريب قوات سورية معارضة كـ”جيش سوريا الحرة”.

الانسحاب الأميركي من سورية

حصل الانسحاب من التنف، التي تحتل موقعاً استراتيجياً، بعد تقدمت قوات الجيش السوري للسيطرة على محافظات الجزيرة التي تنتشر فيها قواعد عسكرية أميركية تحديداً في دير الزور والحسكة. واستضافت التنف أكثر من 2500 جندي أميركي، لكن العدد تراجع في الأعوام الأخيرة إلى حدود 1200، يتحلون بمرونة الحركة، ويمتلكون قدرات لوجستية مهمة، ويتلقون الإسناد من القواعد الأميركية في العراق، تحديداً الموجودة في إقليم كردستان. الاستراتيجية المتبعة حتى الآن هي الانسحاب الأميركي من سورية بشكل تدريجي وعلى مراحل وفق مسألتين. المسألة الأولى مدى قوة تنظيم داعش على الأرض والخطر الذي يشكله راهناً ومستقبلاً. والمسألة الثانية قدرة قوات الجيش والأمن السوريين على النهوض بمهمة متابعة نشاط التنظيم، والتصرف على نحو استباقي لإحباط عملياته والرد عليه. وبحسب مصادر سورية، فإن التقييم الأميركي حتى الآن إيجابي، بعد أن كانت هناك مخاوف من حصول فراغ في حال تراجع دور “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي بقيت تتولى المهمة إلى حين انضمام سورية إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وسبق الانسحاب الأميركي من سورية تسليم قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار للحكومة العراقية (يناير/كانون الثاني الماضي)، وهي نقطة عسكرية مهمة بالنسبة للجيش الأميركي، كانت تضم قوات للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في غرب العراق. وتولى الجيش العراقي السيطرة الكاملة عليها، وهي آخر القواعد في هذه المنطقة، وسبقها تسليم قاعدة الحبانية عام 2020، ومن ثم حصل تجميع تدريجي للقوات الأميركية في قواعد أميركية بكردستان العراق. وترى مصادر عسكرية سورية أنه يمكن قراءة هذا التزامن في الانسحابات من سورية والعراق من زاويتين. الزاوية الأولى هي أن الوجود الأميركي في سورية والعراق، بات مكلفاً، ومن دون مردود أمني كبير لجهة محاربة “داعش”، خصوصاً أن القوى المحلية قادرة على النهوض بهذه المهمة. والزاوية الثانية لم تعد هناك مخاوف من إيران بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان قد حوّل سورية إلى قاعدة عسكرية لإيران تصنع على أرضها الصواريخ والطائرات المسيرة، كما فتحت معسكرات تدريب لحزب الله والحوثيين وفصائل عراقية.

حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يسحب القوات الأميركية من سورية خلال ولايته الأولى (2017 ـ 2021) بعد عملية “نبع السلام” في أكتوبر/تشرين الأول 2019 التي قامت بها قوات تركية ضد “قسد” بمشاركة فصائل من الجيش الوطني حينذاك، ولكنه عدل عن ذلك بعد اعتراضات من وزير الدفاع الأميركي بريت ماكغورك المعروف بتعاطفه مع “قسد”، والذي كانت تعده حليفاً استراتيجياً خلال عمله في إدارات الرؤساء باراك أوباما (2009 ـ 2017)، وجو بايدن (2021 ـ 2025)، وترامب. وقد استجاب ترامب في حينه بسبب الخوف من عودة “داعش” أو سيطرة إيران ونظام الأسد على المنطقة. وقد زال هذا العاملان، بعد التطورات التي شهدتها سورية خلال العام الماضي.

وتؤكد أوساط سورية مطلعة أن عملية الانسحاب الأميركي من سورية ستتم بعد فترة قريبة، وهي مرهونة باستكمال عملية ترحيل سبعة آلاف من مقاتلي “داعش” من السجون في محافظة الحسكة نحو العراق. ومن المعروف أن القوات الأميركية تولت هذه المهمة بعد تقدم القوات السورية نحو الجزيرة واستعادة أغلبها من “قسد”. وصدرت تصريحات أميركية وعراقية تؤكد أن المهلة المقررة لإنجاز هذه المهمة على أكمل وجه لا تتجاوز الشهر، ولذلك من المرجح أن تنتهي قبل ختام الشهر الحالي.

ويضاف إلى ذلك أن انتشار قوات الحكومة في مناطق الجزيرة، وقيام تنسيق أمني مع العراق والولايات المتحدة من شأنه أن يقلص إلى حد كبير مخاطر “داعش”، خصوصاً بعد أن بدأت عملية إفراغ مخيم الهول من عائلات معتقلي “داعش”، مع بوادر تعاون دولي لاستعادة الأجانب منهم. وفي الوقت ذاته من المرجح بدء محاكمة المعتقلين الباقين في سورية، وهم بحدود 2500، وهذا من شأنه أن يخفف أجواء الاحتقان، إذ يسود الاعتقاد بأن القسم الأكبر من هؤلاء لا علاقة لهم بتنظيم داعش، وقد اعتقلتهم “قسد” لأسباب مختلفة، منها استمرار الحصول على الموازنة الدولية المكرسة لحراسة السجون ومخيمات الاحتجاز.

هناك عدة عوامل راسخة تجعل من مسألة الانسحاب الأميركي من سورية مربحة للولايات المتحدة، عن طريق تخفيف الأعباء والحفاظ على المزايا الموجودة. ولا يعني الانسحاب الأميركي من سورية أو العراق إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، هناك نحو 30 ألف جندي أميركي يقيمون في قواعد ببلدان الخليج، خصوصاً في قطر والبحرين والكويت والإمارات، وهذا الوجود لا يقتصر على القواعد العسكرية الثابتة فقط، بل يشمل أيضاً السفن الحربية وحاملات الطائرات وغيرها، كما أن أعداد القوات ومهامها تتغير باستمرار. كذلك، إن الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط غير محكومة بالانتشار العسكري، وذلك لعدة أسباب منها أن إسرائيل تعد قاعدة أساسية أميركية قادرة على تلبية الاحتياجات التكتيكية والاستراتيجية الأميركية، في حال حصول تطورات تستدعي ذلك، هذا بالإضافة إلى القواعد الأميركية في الخليج.

وفي وسع الولايات المتحدة أن تركن إلى حلفاء من دول المنطقة كمصر والأردن والآن سورية، والتي توحي مؤشرات عدة بأنها ستصبح قاعدة أميركية مهمة في منطقة الشرق الأوسط والعالم. وقد كان ذلك واضحاً في الاجتماع الذي انعقد في الأردن في إبريل/نيسان الماضي، عندما تم الاتفاق على أن تكون سورية مركز التنسيق الدولي للحرب على “داعش”، بالنظر إلى أن الاجتماع انعقد بهدف وضع آلية لمحاربة التنظيم، وشارك فيه وزراء خارجية ورؤساء أجهزة استخبارات كل من الولايات المتحدة، تركيا، السعودية، العراق، الأردن، سورية. وقد نشرت وكالة رويترز في نوفمبر الماضي معلومات عن إنشاء قاعدة أميركية قرب دمشق، وقالت إن الولايات المتحدة تستعد لتأسيس وجود عسكري لها في قاعدة جوية بدمشق، وذلك للمساعدة في إتاحة تنفيذ اتفاق أمني تتوسط فيه أميركا بين سورية وإسرائيل. وتمثل الخطط الأميركية لتأسيس وجود في العاصمة السورية، والتي لم توردها أي تقارير سابقة، مؤشراً على إعادة سورية ترتيب العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بعد سقوط حليف إيران بشار الأسد.

لا تأثير للانسحاب

كما أن الانسحاب الأميركي من سورية لا يضعف علاقة أميركا مع الحلفاء المحليين، ولا يقلل من تأثيرها في الملفات التي تتشاركها مع حلفاء المنطقة، والدليل على ذلك الانسحاب العسكري الأميركي من السعودية التي كانت تستقبل أكبر القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، وقد حصل ذلك على دفعات آخرها في عام 2019، لكن ذلك لم ينه التعاون بما في ذلك اتفاقات الدفاع عن السعودية بوجه التهديدات الخارجية. كذلك، يمنح الانسحاب من سورية الولايات المتحدة حرية حركة أكبر، ذلك أنها بدأت منذ ولاية الرئيس السابق جو بايدن، تنقل مراكز اهتمامها نحو منطقة شرق آسيا، خصوصاً الصين، وعندما تسلم وزير الخارجية الأميركي الحالي ماركو روبيو منصبه، قال إن “الصين تعد أخطر وأقوى خصم واجهته الولايات المتحدة في تاريخها”. وسار على خطى سلفه في إدارة بايدن الوزير أنتوني بلينكن، الذي سبق أن صرح قبل عامين بأن “أخطر تحد طويل الأمد يواجه النظام الدولي هو ذاك الذي تمثله الصين، الدولة الوحيدة التي تمتلك الإرادة لإعادة تشكيل النظام العالمي، وكذلك القدرة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية التي تمكنها من القيام بذلك”.

هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها حول مدى انعكاسات الانسحاب الأميركي من سورية على الخليج، وهل يؤثر على صورة أميركا لديها، وهل ذلك مقدمة للانسحاب من الخليج، ومدى انعكاسات التحول من الخليج إلى آسيا وآثاره على مركز الخليج في الاستراتيجية الأميركية، وتوجيه الاهتمام نحو مناطق أخرى. ويرى خبراء خليجيون أن توجه السعودية لبناء اتفاقات دفاعية مع باكستان وتركيا يأتي ضمن قراءة التوجهات الأميركية الجديدة لنقل ثقل واشنطن من المنطقة، لكن قدرات دول الخليج الذاتية تطورت كثيراً، ولم تعد تلك التي كانت قائمة في وقت غزو العراق للكويت عام 1990. وترجح أوساط أوروبية أن الانسحاب الأميركي من شأنه تعزيز الحضورين الأوروبي والروسي في المنطقة، على مستوى التسلح والتدريب والتدخل لفض النزاعات، ولذلك تكثفت في الآونة الأخيرة زيارات المسؤولين العسكريين والأمنيين لدول المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى