حدود تنازلات إيران الممكنة في مفاوضاتها الثانية مع أميركا

تُجرى مفاوضات جنيف في مناخ إقليمي متوتر، لا سيما بعد إعلان ترامب عن إرسال ثاني وحاملة طائرات أميركية وأكبرها إلى منطقة الشرق الأوسط، في خطوة اعتُبرت رسالة ضغط سياسية وعسكرية.

ميدل ايست نيوز: تنطلق اليوم الثلاثاء الجولة الثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، وذلك عقب الجولة الأولى التي عُقدت في مسقط في 6 فبراير/شباط الحالي، في ظل أجواء مشحونة تطغى عليها الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، مقابل تأكيدات إيران المتكررة بالجاهزية لمواجهة أي سيناريو وتحذيراتها من حرب إقليمية شاملة.

وخلال الأيام العشرة الفاصلة بين مفاوضات مسقط والجولة الحالية في جنيف، لم تظهر أي مؤشرات على تراجع طهران عن مواقفها أو خطوطها الحمراء، إذ تؤكد باستمرار أنها لن تفاوض الولايات المتحدة إلا في الملف النووي، وترفض بشكل قاطع إدراج البرنامج الصاروخي أو القضايا الإقليمية على جدول الأعمال.

وفيما يتعلق بالملف النووي أيضاً، حدّدت طهران عدة خطوط حمراء، في مقدمتها رفض تصفير تخصيب اليورانيوم، مشددة على أنها لن تتراجع عن هذه الثوابت تحت أي ظرف.

ويأتي ذلك في وقت كان فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرّح، في السابع من الشهر الحالي، أي بعد يوم واحد من مفاوضات مسقط، بأن المحادثات تقتصر على الملف النووي، قبل أن يعود ويؤكد، قبيل لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعده، أن إيران لا ينبغي أن تمتلك صواريخ باليستية.

وتُجرى مفاوضات جنيف في مناخ إقليمي متوتر، لا سيما بعد إعلان ترامب عن إرسال ثاني وحاملة طائرات أميركية وأكبرها إلى منطقة الشرق الأوسط، في خطوة اعتُبرت رسالة ضغط سياسية وعسكرية تأكيداً على جدية واشنطن في تنفيذ تهديداتها بشن هجوم على إيران.

ومن المتوقع أن تدخل المفاوضات في هذه الجولة مرحلة أكثر تفصيلاً، بعدما ركزت الجولة الأولى، بحسب الجانب الإيراني، على القضايا العامة وتقييم مدى جدية الطرفين.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد وصل إلى جنيف أمس الاثنين، وقبيل لقائه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، كتب في منشور على منصة إكس أنه حضر إلى جنيف “بمبادرات حقيقية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن”، مؤكداً في الوقت نفسه أن “الاستسلام للتهديدات ليس مطروحاً على الطاولة”.

وحول هذه المبادرات، قال الخبير الإيراني عباس أصلاني، المقرب من الخارجية الإيرانية، إنها تشمل ما يمكن أن تقدمه طهران بشأن الملف النووي بشقيه النووي ورفع العقوبات، مؤكداً أن إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية في مجال الأنشطة النووية، ولا سيما التخصيب، وتقدم ضمانات بأن البرنامج النووي الإيراني “سلمي ولا يتجه نحو إنتاج السلاح”.

وأضاف أصلاني أن إيران مستعدة للتفاهم حتى بشأن مستوى التخصيب، بحيث يكون عند مستوى يبدد مخاوف الطرف الآخر ويوفر في الوقت نفسه ضمانات كاملة للطابع السلمي للبرنامج. وأوضح أن “لدى إيران بطبيعة الحال أفكاراً في هذا الشأن، وهناك شعور بإمكانية التوصل إلى صيغة جيدة أو مناسبة”.

وأشار أصلاني إلى أن من القضايا الأخرى ذات الأهمية، والتي تُعد محورية بالنسبة لإيران في سياق المفاوضات، هي مسألة رفع العقوبات، مشدداً على أنه “لا ينبغي أن ننسى أن هدف إيران من المفاوضات هو رفع العقوبات، وليس مجرد إزالة تهديد الحرب أو المواجهة العسكرية”.

ولفت إلى أن جزءاً من هذه الأفكار التي سيطرحها وزير الخارجية الإيراني خلال المفاوضات يرتبط بملف رفع العقوبات أيضاً، وبما تتوقعه إيران في هذا المجال مقابل الخطوات التي يمكن أن تتخذها في الملف النووي.

وبيّن الخبير الإيراني أن ما طُرح الأحد الماضي من مقترحات اقتصادية إيرانية على لسان العضو في الفريق التفاوض حميد قنبري يندرج في مجمله ضمن عناصر تفاهم محتمل حول الملف النووي.

وكان قنبري قد قال إن منافع اقتصادية مشتركة في مجالات النفط والغاز، والحقول المشتركة، والاستثمارات المعدنية، وحتى شراء الطائرات، أُدرجت في صلب المفاوضات.

ولفت أصلاني إلى أن الوفد الإيراني الذي توجه إلى المفاوضات يضم فريقاً سياسياً وقانونياً وفنياً، بما في ذلك خبراء في المجالين النووي والاقتصادي، ما يعني أن الملفات النووية والاقتصادية ورفع العقوبات “تُبحث معاً، نظراً لأهميتها بالنسبة لإيران”. وأضاف أن اللقاء في جنيف مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، يدل على أن “قسماً مهماً” من المقترحات المطروحة يرتبط بالجانب التقني المتصل بالملف النووي.

حدود تنازلات إيران

من جهته، قال الخبير الإيراني المحافظ عليرضا تقوي‌ نيا، في حديث مع “العربي الجديد”، إن الجانب الأميركي كان قد اقترح عقد الجولة الثانية من المفاوضات في إيطاليا، إلا أن طهران رفضت ذلك، مضيفاً أن رفض إيران لإيطاليا جاء على خلفية “المواقف العدائية للاتحاد الأوروبي، ولا سيما إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة الإرهاب”، مشيراً إلى أن طهران أصرت على سويسرا، باعتبارها دولة أوروبية لكنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، و”نجحت في فرض وجهة نظرها في هذا الشأن”.

كما أن سويسرا تعد وسيطاً رسمياً بين إيران وواشنطن وهي ترعى المصالح الأميركية في إيران. وأوضح تقوي ‌نيا أن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني رسم الخطوط الحمراء الإيرانية التفاوضية بشكل واضح، مؤكداً أن “طهران لن تتراجع عن مستوى تخصيب 20%، وأنها مستعدة للتفاوض فقط حول تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%”. ولفت إلى أنه “في ظل الخلافات العميقة بين الطرفين، فإن استمرار المفاوضات والوصول إلى نتائج ملموسة سيكون أمراً بالغ الصعوبة”.

وأشار الخبير الإيراني إلى أن لهجة ترامب في الآونة الأخيرة جاءت حادة، وعلى خلاف مضمون المقترح الأميركي الذي قُدّم لطهران بشكل مكتوب، موضحاً أن المقترح الأميركي اقتصر على الملف النووي ولم يتطرق إلى ملفات أخرى، غير أن تصريحات ترامب توحي بأن هذا العرض قد لا يكون جدياً.

ولم يستبعد أن تكون هذه المفاوضات “قد تُستخدم أداةً للخداع”، مؤكداً في الوقت نفسه أن القوات المسلحة الإيرانية “في أعلى درجات الجاهزية، وأن إيران لن تنخدع مرة أخرى بشعارات التفاوض، بل تمضي في تنفيذ سياساتها وخياراتها”.

تشاؤم بالنتائج

من جهته، أبدى الخبير الإيراني سلمان كديور تشاؤماً بشأن نتيجة مفاوضات جنيف، قائلاً لـ”العربي الجديد” إن التفاؤل حيال المفاوضات مع واشنطن “مضلّل وقد يقود إلى قراءات خاطئة لمسار التطورات”.

وأوضح كديور أن الشروط الأميركية مطروحة على نحو يجعل قبولها من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمثابة “استسلام ونفي لجوهرها وهويتها”، مؤكداً أنه “من هذا المنطلق، لن تقبل إيران بهذه الشروط تحت أي ظرف”.

وأضاف أن المطالب الأميركية لا تخرج في جوهرها عن كونها ترجمة حرفية لشروط بنيامين نتنياهو، مشيراً إلى أنها تشمل تصفير تخصيب اليورانيوم، وهو ما قد يترافق مع تفكيك كامل لسلسلة الإمداد النووية وفرض قيود على البرنامج الصاروخي، الأمر الذي يعني عملياً القضاء على هذه الصناعة ووقف الدعم والتسليح “أو بالأحرى تفكيك مجموعات المقاومة في المنطقة”.

وأشار كديور إلى أن حجم التحشيد الأميركي الضخم في المنطقة يُستخدم في الوهلة الأولى أداةَ ضغط سياسي ونفسي، إلا أنه رأى أن “اندلاع حرب بات احتمالاً أكبر من عدمه”، معبراً عن قناعته بأن أي مواجهة محتملة ستكون “حرباً شاملة ومتعددة الأبعاد، تهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية”.

وأوضح الخبير الإيراني أن هذه الحرب، في حال وقوعها، لن تقتصر على الضربات الجوية، بل ستكون مزيجاً من عمليات جوية وبحرية وبرية واستخباراتية، إلى جانب السعي لإشعال تمردات مسلحة داخل المدن، معتبراً أن “ما شهدناه في أحداث يناير خلال الاحتجاجات كان بمثابة مرحلة تجريبية لهذا السيناريو”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى