الصحافة الإيرانية: مناورات هرمز.. إعادة رسم موازين القوة في الخليج؟

يكشف مفهوم «التحكم الذكي» عن تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية نحو الحروب القائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمليات الشبكية.

ميدل ايست نيوز: يفرض دويّ الصواريخ واضطراب الأمواج في مضيق هرمز رواية أخرى على عناوين وسائل الإعلام الدولية، في وقت تتحرك عقارب الساعة في جنيف على إيقاع الدبلوماسية ويزن الدبلوماسيون في ممرات الفنادق السويسرية الفاخرة كلماتهم في المفاوضات حول أحد أعقد الملفات السياسية في القرن الحادي والعشرين.

يقول طهمروث كيلاني، في مقال لصحيفة توسعه إيراني، إن مناورات «التحكم الذكيي على مضيق هرمز»، التي بلغت مرحلتها الثانية ذروتها، تتجاوز كونها تدريباً عسكرياً دورياً، لتظهر كخطوة استراتيجية ضمن ما يعرف بدبلوماسية الإكراه. وتأتي المناورات في وقت تشهد فيه منطقة الخليج أحد أكبر الحشود العسكرية الأميركية في السنوات الأخيرة، في مشهد تتداخل فيه رائحة البارود مع مفردات الدبلوماسية إلى حد يصعب معه الفصل بين الميدان وطاولة المفاوضات.

تلاقي البارود والدبلوماسية في جغرافيا هرمز

يعكس تنظيم مناورات «التحكم الذكي» في اليوم ذاته الذي انطلقت فيه الجولة الثانية من المفاوضات النووية في جنيف، مع إعلان دونالد ترامب مشاركته غير المباشرة فيها، ما يوصف في أدبيات العلاقات الدولية بالإشارة الاستراتيجية. تريد طهران من هذه الخطوة تذكير الولايات المتحدة وحلفائها بأن الدبلوماسية الإيرانية تنطلق من موقع الردع الفاعل لا من موقع الضعف. ويطرح علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، عبر صيغة «المفاوضة والردع معاً»، إطاراً لسياسة خارجية جديدة لإيران، تقوم على اعتبار القوة العسكرية ضمانة لتصريحات الدبلوماسيين، بما يشير إلى تحول في عقيدة السياسة الخارجية من نهج دفاعي إلى آخر أكثر هجومية.

وتسعى هذه المزامنة إلى تحييد تهديدات واشنطن الصريحة. ففي وقت يتحدث فيه مسؤولون أميركيون عن احتمال وقوع وضع «كارثي» إذا لم تبدِ إيران مرونة، تحاول طهران عبر إغلاق رمزي للمضيق إظهار أن الكارثة الحقيقية قد تقع في شريان الطاقة العالمي لا في غرف التفاوض. تحمل الرسالة معنى خاصاً لدونالد ترامب الذي يركز دائماً على البعد الاقتصادي للقوة، مفادها أن كلفة المواجهة مع إيران ستتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. ويرى خبراء أن طهران تحاول إبراز كلفة الصدام معها.

تفكيك مفهوم التحكم الذكي والغموض الاستراتيجي

يكشف مفهوم «التحكم الذكي» عن تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية نحو الحروب القائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمليات الشبكية. ويشير الأدميرال عليرضا تنكسيري إلى قدرة إيران على فرض سيطرة كاملة على هذا الممر الاستراتيجي، موضحاً أن الأمر لا يقتصر على إطلاق الصواريخ بل يشمل استعراض التفوق المعلوماتي في المجالات السطحية والجوية وتحت سطح البحر.

وتلفت الإشارة إلى أسلحة لم تظهر في التمرين إلى ما يعرف بالغموض الاستراتيجي، وهو رسالة موجهة إلى القطع البحرية الأميركية بأن ما شوهد من إطلاق صواريخ من زوارق سريعة أو طائرات مسيّرة هجومية لا يمثل سوى جزء من القدرات، وأن استخدام الطائرات المسيّرة في بيئات مشوشة وإطلاق الصواريخ من عمق البلاد نحو أهداف بحرية متحركة يوضح قدرة إيران على ضرب مواقع أميركية في عمق البحر. تهدف هذه الخطوات إلى إرباك حسابات الخصم وإضافة طبقة جديدة إلى سباق التسلح في المنطقة.

مثلث القوة في الخليج

يعد حضور سفن حربية روسية وصينية ضمن تمرين مشترك باسم «حزام الأمن البحري 2026» أحد أبرز أبعاد هذه المناورات. وجاء إعلان ذلك على لسان نيكولاي باتروشيف، مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليحمل رسالة واضحة ضد النظام الأحادي الذي تسعى إليه واشنطن في المنطقة. ويرى منتقدون أن موسكو وبكين تكتفيان غالباً بالحضور في إطار المناورات، لكن مشاركتهما إلى جانب إيران تعني أن مضيق هرمز لم يعد قضية إقليمية بين طهران وواشنطن، بل بات جزءاً من تنافس القوى الكبرى.

تأثير الميدان على آفاق السياسة الخارجية الإيرانية

يترك هذا التمرين أثراً مزدوجاً في موقع إيران الدولي. فمن جهة، يعزز استعراض القدرة على السيطرة على مضيق هرمز قوة التفاوض لدى الدبلوماسيين الإيرانيين، ويؤكد أن أي اتفاق يجب أن يقوم على احترام متبادل والاعتراف بالوقائع على الأرض. ومن جهة أخرى، يفرض النهج الهجومي تحديات، أبرزها تحقيق توازن بين الردع العسكري ومتطلبات رفع العقوبات عبر المسار الدبلوماسي، مع تجنب أن يتحول استعراض القوة إلى ذريعة لإجماع دولي ضد أمن التجارة البحرية الإيرانية.

ويظهر بيان القيادة المركزية الأميركية، مع تأكيده على «السلوك المهني»، محاولة لتقليل تأثير رسالة القوة الإيرانية وتصويرها كقضية أمن دولي. ويبقى التحدي أمام الدبلوماسية الإيرانية في تحويل هذا الاستعراض العسكري إلى مكاسب سياسية دائمة على طاولة المفاوضات.

وتمثل مناورات «التحكم الذكي على مضيق هرمز» جزءاً من استراتيجية أوسع تتشابك فيها القوة العسكرية والدبلوماسية والتحالفات الدولية.

اقرأ المزيد

البحرية الإيرانية: مستعدون لإغلاق مضيق هرمز فور صدور الأوامر

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى