إيران.. نقص الأدوية من مشكلة مؤقتة إلى أزمة بنيوية شاملة

لم يعد نقص الأدوية في إيران مشكلة عابرة أو محصورة في عدد محدود من الأصناف؛ إذ امتدت مؤشراته من أدوية الأمراض الخاصة إلى الأدوية العامة، وتحول الآن إلى أزمة بنيوية.

ميدل ايست نيوز: يقع العبء الأكبر لأزمة الأدوية في إيران على المرضى. فالمرضى ذوو الحالات الخاصة، مثل المصابين بالتصلب المتعدد أو الثلاسيميا أو السرطان، يتضررون أكثر من غيرهم من النقص، كما أن الضغط الاقتصادي الناتج عن تراجع الدعم الحكومي للتأمين الصحي جعل الوصول إلى الدواء أكثر صعوبة.

لم يعد نقص الأدوية في إيران مشكلة عابرة أو محصورة في عدد محدود من الأصناف؛ إذ امتدت مؤشراته من أدوية الأمراض الخاصة إلى الأدوية العامة، وتحول الآن إلى أزمة بنيوية. تُظهر روايات سوق الدواء أن القضية لا تقتصر على النقص، بل إن «أزمة الأدوية» تتشكل كظاهرة اقتصادية ناتجة عن سياسات سعر الصرف والتسعير الإلزامي وأزمة السيولة.

الدواء موجود، لكن ليس دائماً ولا للجميع

تقدم التقارير الميدانية عن وضع الأدوية صورة مزدوجة: الدواء متوافر في بعض الحالات، لكن الوصول إليه أصبح صعباً أو غير مستقر.

وأكد بهمن صبور، نائب رئيس منظمة النظام الطبي في طهران، في حديث لموقع اقتصاد 24، أن المشكلة الأساسية في بعض الأصناف ليست «نقصاً مطلقاً» بل عدم استقرار في الإمدادات. وقال إن نقص الأنسولين لا يعني غياب الدواء، بل يتعلق غالباً بنقص بعض العلامات التجارية، في حين توجد بدائل في السوق. ومع ذلك أقر بأن النقص في أدوية المرضى ذوي الحالات الخاصة ومرضى السرطان حقيقة قائمة.

تشير هذه الرواية إلى أن أزمة الدواء لم تعد متجانسة، وأن السوق يتجه نحو «نقص الخيارات»، أي أن الدواء موجود لكن الخيارات المفضلة لدى المرضى تقلصت.

العقوبات المالية… عنق الزجاجة الخفي

اعتبر صبور أن أحد أهم أسباب الأزمة هو صعوبة تحويل الأموال. وقال إن المشكلة الرئيسية ليست استيراد الدواء بل صعوبة نقل العملة في ظل العقوبات، وهو ما جعل تأمين الأدوية أكثر كلفة وأقل استقراراً.

تكشف هذه النقطة أن القيود المصرفية يمكن أن تعطل سلسلة توريد الدواء حتى مع توافر موارد نقدية، ما يعني أن الدواء أصبح ضحية القيود المالية واللوجستية أكثر من كونه ضحية نقص الإنتاج.

حين تتحول السياسات إلى نقص

قدّم موقع تجارت نيوز صورة أوسع للأزمة. إذ رأى إيمان خسروي، الخبير في اقتصاد الصحة، أن الجذر الرئيسي لأزمة الدواء يكمن في «ازدواجية سياسة العملة والتسعير». وقال إن أسعار الأدوية ظلت لسنوات منخفضة بشكل إلزامي، بينما ارتفعت تكاليف الإنتاج والاستيراد بفعل التضخم وتقلبات العملة، ما أدى إما إلى تراكم ديون الحكومة لشركات الأدوية أو إلى خفض الإنتاج ونقص المعروض في السوق.

بعبارة أخرى، تحولت السياسات الداعمة التي كان يفترض أن تضبط الأسعار إلى أحد أسباب النقص.

ما معنى العجز الدوائي؟

لفهم الأزمة بدقة، يجب أخذ مفهوم «العجز الدوائي» بجدية. يحدث العجز عندما لا تتطابق التكلفة الحقيقية لإنتاج واستيراد الأدوية مع الموارد المخصصة لها، مثل العملة والتأمين وسعر البيع. وفي هذه الحالة تظهر نتائج متزامنة، منها تراجع حافز المنتجين على الاستمرار، وزيادة ديون الحكومة وشركات التأمين لشركات الأدوية، وانخفاض الجودة أو حذف بعض الأصناف من الإنتاج، وحدوث نقص مؤقت أو دائم.

وكتب موقع تجارت نيوز أن اعتماد صناعة الدواء على المواد الأولية المستوردة وتقلبات سعر الصرف وتأخر سداد مستحقات الشركات أدى إلى تراكم ضغوط ظهرت الآن في شكل ارتفاع الأسعار أو نقص الأدوية.

من نقص موضعي إلى أزمة بنيوية

ما يجعل الوضع الحالي مقلقاً هو الانتقال من نقص مؤقت إلى أزمة هيكلية. فإذا كانت النواقص سابقاً مرتبطة بالعقوبات أو تعطل الاستيراد، فإن عوامل داخلية باتت الآن تغذي الأزمة، مثل تعدد سياسات الصرف والتسعير الإلزامي وتراكم ديون شركات التأمين وضعف الاستثمار في الإنتاج.

أدى ذلك إلى مواجهة سوق الدواء ظاهرة العجز نفسها التي ظهرت في قطاعات أخرى من الاقتصاد الإيراني مثل الطاقة والبنوك.

ضحايا العجز الدوائي

يبقى المريض المتضرر الأكبر من العجز الدوائي في إيران.  هذا يعني أن أزمة الدواء ليست مجرد قضية اقتصادية، بل أزمة اجتماعية وأخلاقية مرتبطة مباشرة بالصحة العامة.

إذا استمر الوضع الحالي، فقد يصل العجز الدوائي إلى مرحلة أخطر، تصبح فيها حتى الأدوية الأساسية عرضة لتقلبات الإمداد.

ويرى خبراء أن الخروج من الأزمة يتطلب إصلاحات متزامنة، تشمل تحرير الأسعار تدريجياً، وإصلاح نظام الصرف، وتسوية ديون الحكومة لصناعة الدواء، وتقليص التدخلات الإلزامية.

وفي حال عدم اتخاذ هذه الإجراءات، ستتحول أزمة الدواء من صدمة قصيرة الأمد إلى وضع دائم، يكون فيه الدواء موجوداً لكنه ليس متاحاً دائماً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى